الناجية

بقلم: حنان فكري

وسط حشد من القصص التي تملأ الآذان بالدموع، وآهات تشق طريقها إلى القلوب الحنونة، يقفز الألم الاستثنائي لتستيقظ الجروح الراقدة، وترسم الأوجاع خريطة المشاعر والسلوك، وتقتحم الخبرات أزمنة الصبا. وعلى شفاه الكؤوس المرة، نرتشف رحيق التجارب وخلاصة الخبرات؛ ولأن لكل خبرة وجعها وأبعادها، ولكل إنسان تجربته الفريدة، لا يمكننا تجاهل أوجاع الناجيات من العنف بكل أشكاله في مجتمعنا.

نحن نمر حالياً بفعاليات حملة الـ 16 يوماً من الأنشطة لمناهضة العنف ضد المرأة، والتي يحتفل بها العالم سنوياً خلال الفترة من 25 نوفمبر وحتى 10 ديسمبر، وقد أطلق المجلس القومي للمرأة في مصر حملة هذا العام تحت شعار "كوني"، في إشارة إلى رفض المرأة أن تكون مجرد ضحية، وسعيها لممارسة حياتها بشكل طبيعي وكامل.

مصطلح "الناجية" بديل للضحية

انتشر في الفترة الأخيرة مصطلح "الناجية" كبديل لمصطلح "الضحية" لوصف النساء والفتيات اللواتي تعرضن للعنف بشتى أنواعه (البدني، النفسي، والجنسي). ويرى الخبراء النفسيون أن كلمة "ضحية" تبسّط تجربة العنف وتسلب المعنّفة آدميتها؛ لأن مفهوم الضحية يجعلها مجرد متلقية سلبية للعنف، بينما "الناجية" مصطلح ينطوي على إيجابية المستقبل، حتى وإن كان الماضي معتماً.

إلا أن الدلائل تشير إلى أن الحاضر لا يزال يزخر بموروثات وتقاليد وأعراف مجتمعية ترفع العنف لمرتبة "القانون غير المكتوب"، وتشرعن أسانيده، مثل الزواج المبكر، وتشويه الأعضاء التناسلية (ختان الإناث)، ذلك العنف الذي يسلب المرأة حقوقها الطبيعية في الحياة السليمة. هذا بخلاف الضرب المبرح، واغتصاب الزوجات، وبعض أشكال العنف التي يبررها البعض زوراً بأنها للتربية والتهذيب.

المسكوت عنه داخل الأسرة

يشير تقرير المسح الصحي السكاني في مصر إلى أن 25% من السيدات اللاتي سبق لهن الزواج تعرضن لعنف جسدي من قبل الزوج. أما العنف الجنسي، فهو الأكثر وطأة وخطورة، خاصة عندما يقع داخل إطار الأسرة.

وفقاً لعالم النفس كارل يونج، فإن التجارب العاطفية والذكريات المخزنة في اللاوعي منذ المرحلة الجنينية وحتى البلوغ تؤثر بشكل عميق على سلوكنا كبالغين. فالانتهاك الجنسي يشكل ندوباً عميقة تظل حبيسة الصدور، وغالباً لا يتم الإبلاغ عنها بسبب الخوف من الفضيحة والشعور بالوصم، مما يترك الناجيات يعانين من عواقب نفسية وجسدية قد تستمر مدى الحياة.

الجهود الوطنية وضرورة تغيير الثقافة

رغم حرص الدولة المصرية خلال السنوات الثماني الأخيرة على بذل جهود حثيثة وإصدار تشريعات (مثل تغليظ عقوبات الختان والتحرش) لضمان حماية المرأة، إلا أن هذه الجهود تظل منقوصة ما لم نواجه "المسكوت عنه".

إن تغيير ثقافة المجتمع القائمة على معتقدات راسخة مشوهة لا يتأتى بالقوانين والندوات وحدها؛ بل يتطلب خلق آلية مجتمعية ومؤسسية تضمن حماية الناجيات من محيطهن الأسري قبل حمايتهن من الأغراب. وإلا، فستظل "الناجية" مجرد ضحية، ولن تنجو أبداً ما دامت تحيا على أرضية ثقافية لا تحترم إنسانيتها وتنتهك جسدها وخصوصيتها.

استطلاع رأي

قرارات الاستبعاد من الدعم .. هل تعكس معايير الحذف الأخيرة من بطاقات التموين (امتلاك سيارة أو المدارس الخاصة) الأوضاعة الاقتصادية الحقيقية للأسر المصرية؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

قصص لابد من قراءتها

حنان فكري
رئيس التحرير

“كاتبة وصحفية استقصائية مصرية، تشغل موقع مساعد رئيس تحرير جريدة ‘وطني’. تجمع مسيرتها المهنية الممتدة بين الإعلام البيئي (كباحثة دكتوراه في صحافة المناصرة وماجستير العلوم البيئية من جامعة عين شمس) والعمل الإنساني التمكيني (بكالوريوس العلاج النفسي والمشورة لضحايا الإيذاء الجنسي). شغلت سابقاً عضوية مجلس نقابة الصحفيين ورعاية صالون ‘المواطنة’، وتلتقي بقرائها دورياً عبر عمودها ‘جر شكل’.”

شارك بقصتك

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x