رغيف العيش.. خوف مشروع

حنان فكري

يومًا بعد يوم، تضيق الدوائر علينا، تلتف حول أعناقنا، تقبض مصائرنا، نراها ولا نراها، نشعر بالاختناق بين فكيها، يغمرنا ضيق ذات اليد حيناً، ثم يعود لينحسر، وهكذا بين مد وجذر تضيق وتنفرج العيشة، ويظل لسان حالنا يتذمر ويشكر ثم يتذمر على "العيش والعيشة واللي عايشينها". تحت هذا العنوان كتبت مقالات سابقة وها أنا أكتب من جديد، بعد أن أعلنت الحكومة بدء تحويل الدعم العيني الى نقدي، بكل ما يحمله من مخاوف استبعاد شرائح عديدة، ورعب المستورين قبل المعوزين من الاستبعاد منظومة الخبز، إذا ما تم تحريرها بالكامل من أي دعم وهو ما يهدد أساس الغذاء "رغيف العيش".

فالحديث المتصاعد هذه الأيام عن حتمية تحويل الدعم العيني إلى دعم نقدي يعيد الخوف للنفوس، ويطرح تساؤلات تظهر وتختفي ثم تظهر: ألا يكفي الحكومة موجات الغلاء المتكررة، ألا يكفيها تطويراً مستنداً لرفع الدعم؟ ألا يكفيكم المواطن المطحون الذي يتسابق مع أيام الشهر قبل أن ينفد راتبه؟

"العيش".. أمن القومي

الخوف على الرغيف خوف مشروع فعندما نتحدث عن رغيف العيش في مصر، نحن لا نتحدث عن منتج من الدقيق والماء يخضع لمعادلات العرض والطلب؛ نحن نتحدث عن "أمن قومي" مصاغ في شكل رغيف. الدعم العيني كان دائماً هو الملاذ الآمن والشبكة الأخيرة التي تحمي الأسر من غدر السوق. تحويل هذا الرغيف الملموس إلى "بضعة جنيهات" تُودع في بطاقة أو تُصرف نقداً، يعني ببساطة أن الحكومة ترفع يدها عن مسؤولية تدبير السلعة، وتلقي بالمواطن في مواجهة حوت السوق الحرة. الرغيف العيني يضمن وصول "اللقمة" مهما تلاعبت الأسعار، أما النقدي؟ فهو مجرد رقم مرشح للتبخر قبل أن يصل إلى جيوب مستحقيه.

مبررات الحكومة

نعلم أن الحكومة تريد تغيير النظام لعدة مبررات مطروحة منها: تقليل الهدر والتسرب في منظومة الدعم، تحسين استهداف الأسر الأكثر احتياجاً، تقليل الأعباء الإدارية المرتبطة بتوفير السلع وتوزيعها، ومنح المواطن مساحة أكبر في اختيار احتياجاته. لكن يخشى المواطنون بسبب قسوة الواقع،  فالتجربة اليومية تخبرنا بأن الأسعار تتحرك أسرع من أي زيادة نقدية أحياناً. المواطن الذي يحصل على رغيف مدعوم يعرف قيمته، لكن عندما يتحول هذا الدعم إلى مبلغ مالي، يصبح السؤال: هل سيظل هذا المبلغ قادراً على شراء نفس الكمية من الغذاء بعد عام أو عامين؟

وهنا تكمن العقدة الأساسية: المشكلة ليست في "نقدي أم عيني" فقط، بل في قدرة الدولة على تصميم منظومة تحمي الفقير من تقلبات السوق. إن تحويل الدعم من عيني إلى نقدي فيما يخص منظومة الخبز، ليس مجرد تغيير طريقة صرف الأموال، بل هو إعادة صياغة لعقد اجتماعي قديم بين الدولة والمواطن. نجاح التجربة لا يتوقف على  توفير المال أو تقليل الهدر، بل على قدرتها على الحفاظ على الهدف الأساسي للدعم: ألا يفقد المواطن محدود الدخل قدرته على الحصول على احتياجاته الأساسية، وفي مقدمتها الخبز. ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين "رغيف نقدي" و"رغيف عيني"، لكنها بين دعم يصل فعلاً إلى الناس ودعم يتآكل قبل أن يصل إليهم.

مساحة حساسة

إن رغيف العيش المدعوم ظل مساحة حساسة جداً لعقود، ورغم نجاح مجسات الحكومة منذ عامين تقريباً في تحريكه، إلا أن عودة الحديث عن تحويل الدعم العيني الى نقدي اعادت المحاوف من تحرير العيش من الدعم لمربع هو الأشد حساسية، فالرغيف هو الملاذ الآمن للجائعين والمعدمين، وهو في وجهة نظري أمر يحتاج العديد من الإصلاحات الاقتصادية التي تسبقه لتضمن لكل المواطنين الشبع. ناهيك عن أن منظومة الخبز لا تضم كل المستحقين لأسباب عديدة منها أسباب ضعف المنظومة ذاتها، التي تضيف أفراداً من الأسرة وتستبعد آخرين بدون سبب وجيه.

ولو تم المساس بالرغيف ستكون ضربة موجعة، على ظهور الغلابة والمعدمين والساقطين من الحسابات وكشوف الدعم، المنسيين من سؤال العابر والغريب والقريب، لهباً لن يكتوي بنيرانه إلا القابضون على جمر الصمت العاجز، لأنهم لا يعلمون للحل سبيلاً فقهراً يصمتون، أو على استحياء يذهبون إلى نائب برلماني ليرفع عنهم سؤالاً للحكومة مثلما حدث بعد رفع سعر رغيف العيش من خمسة قروش إلى عشرين قرشاً، فالناس منكفئون على أحوالهم، كل في دوامة الحياة يسعى لسد عوز أسرته، لكن عبثاً يحاول محدودو الدخل، فكلما وجدوا درباً للمساعدة وزيادة الدخل، التهمت زيادة الأسعار، وتراجع الدعم كل الدخل بل وتخطته، زاد الاقتراض، وتضخمت الديون على البعض، فصارت المصيبة مصيبتين، الغلاء والديون.

العيش السياحي

وهنا علينا طرح تساؤل آخر، كيف سيؤثر ذلك على سعر الخبز السياحي، وكافة المخبوزات التي خارج الدعم، فمنذ عامين وفي اليوم التالي لإعلان رفع سعر العيش من خمسة قروش الى عشرين قرشًا، اختفى الخبز من بعض الأفران بحجة عدم وصول حصة الدقيق، وفي بعضها تقلص حجم الرغيف ليصير خبزة صغيرة لا ترتقي أن تسمى رغيفاً، سواء من ناحية الوزن أو الحجم، وبالتالي فإن الزيادة لم تكن 300% فقط، من ناحية السعر، لكنها تعدت ذلك، إذا احتسبنا الخصم من الوزن والذي هو أمر شبه مستحيل السيطرة عليه، وفشلت وزارة التموين فيه فشلاً ذريعاً خلال الأعوام الماضية واستسلم الناس للحجم والوزن المخصوم لصالح غش وجشع التجار من جهة وتقصير الجهات الرقابية من جهة أخرى.

الناس محبطون، يائسون، يتحدثون ثم يصمتون لأنهم يعلمون أن الصمت يساوي الكلام، بل أن تكلفة الكلام قد تكون أعلى بكثير، الناس قليلو الحيلة حزانى عاجزون، وهذا ينطبق على الطبقات المعدمة والفقيرة والمتوسطة أيضاً.

الناس ينتظرون أن تنظر الحكومة من غربالها للغلابة، فأين غربالك يا حكومة حتى تنظرين إلى أن الأسرة المكونة من أربعة أفراد لا يكفيها الحد الأدني من الراتب الذي تم إقراره، مؤخراً ما بين علاج ومأكل وملبس وتكلفة كهرباء مرفوعة الدعم قصمت ظهور الغلابة، فحسبة بسيطة لحاجة طفلين من اللبن والبيض والجبن كل صباح، مع فاتورة الكهرباء، قد تستنفد أكثر من نصف الراتب، ولولا تكافل الأغنياء مع الفقراء لمسح العوز أسمائهم من على وجه البسيطة.

الساقطون من الحسابات

الحكومة رفعت الحد الأدنى للرواتب إلى ثمانية آلاف جنيه، نعم لكن كم مليون نسمة من الشعب خارج التطبيق؟ وكيف يمكن الوفاء بالاحتياجات من علاج وأكل وإيجار سكن وتعليم ومواصلات، وطوارئ، في ظل رفع أسعار كل شيء، فما تقدمه الحكومة بيمينها تسترده بيسارها، بل وتزيد. ألم يكفكم كل هذا الغلاء فاستدرتم إلى العيش؟

فإذا كانت الحكومة تنظر لأبناء القطاع العام والحكومي على أنهم مستوفو الأجور التي تُمكنهم من شراء الخبز بعد رفع سعره، عليهم النظر للفئات المهمشة غير الموجودة أصلاً في أي كشوف حكومية أو خاصة، فهم كُثر، أما أبناء القطاع الخاص فحدث ولا حرج، بعد أن فقد القطاع الخاص قدرته على المنافسة في كل المجالات وحقق خسائراً عظيمة تعذر معها استمرار رفع الرواتب أو حتى الوفاء بها، وأصبح العامل في حيرة من أمره، يترك العمل نهائياً ليصبح عاطلاً، أم يقبل بالعمل بنصف أجره.

كفى الناس كرباً

أما أبناء الطبقة المتوسطة الذين تآكلت قدرتهم على صد تسونامي الغلاء، فأولئك الذين يموتون قهراً تمنعهم كرامتهم من التسول، وأنين بطون بنيهم يمنعهم من الصمت. هذا الدعم لا يساوي السعر الحقيقي للخبز بعدما يتحرر ويصير الرغيف السياحي في قبضة السوق السوداء.

استغثنا مرارًا بالبرلمان لمناشدة الحكومة ألا توقظ عملاقاً نائماً، وأن تترك الفتات لأصحاب الفتات، لكن للأسف تخطيط لا يسمع، وقرارات لا ترى، بالرغم من أن ثقوب غربال الحكومة متسعة لدرجة الاهتراء، لكن يبدو أنه عصي على بصيرتها إدراك حال الذين بلا عمل، والعاجزين والعجائز، والذين لا دخل لهم، ولا أحد يحدثني عن مشروعات دعم الفقراء وذوي الاحتياجات، لأن مئات الجنيهات التي يحصلونها من الحكومة لا تكفي أسبوعاً واحداً لإطعام أسرة.

الفقراء غير طامعين في شيء ولا آملين سوى في الفتات الساقط من الموائد العملاقة، والآن إذا تم تحرير سعر العيش سيتم تحريك القلق في النفوس على هذا الفتات، فلماذا توقظ الحكومة عملاقاً نائماً؟! ... اتركوا الفتات لأصحاب الفتات.

رجاء لا تحبطوا الغلابة ولا تضغطوا على المستورين الذين لا يمدون أياديهم بالعوز حتى الآن، لا تكشفوا ستر المستورين لأنه إذا انكشف ستر الناس، وجاع بنيهم، لن يتبقى لهم شيئاً ينتمون إليه أو يبقون عليه. رجاء اتركوا الرغيف في حاله، ونتمنى أن يتم التحول للدعم العيني بلا خسائر فيما يخص منظومة الخبز المدعم بوزن وحجم وجودة مناسبة لأنه ترمومتر الرحمة في المجتمع، هذه الرحمة التي صارت فريضة غائبة في ظل توحش الغلاء على الناس. فعلى الحكومة ترك رغيف العيش في حاله. وكفى الناس كرباً من العيش والعيشة واللي عايشينها.