الدعم ... معركة يومية بين آلاف الأسر وأخطاء البيانات للحصول على الرغيف

تحقيق: حنان فكري- فادي لبيب- ناريمان يني

لم تكن تتوقع أن يتحول رغيف الخبز، الذي اعتادت الحصول عليه يوميًا، إلى أزمة تهدد استقرار أسرتها. بضغطة زر، فوجئت إحدى السيدات بوقف صرف الخبز المدعوم، رغم أن دخل الأسرة لم يتغير، ولم تتحسن ظروفها المعيشية، وكل ما فعلته أنها اختارت مدرسة خاصة منخفضة المصروفات لابنها بعد تعرضه لمشكلات داخل المدرسة الحكومية.

هذه ليست قصة فردية، بل واحدة من مئات الشكاوى التي تكررت بعد استبعاد آلاف المواطنين من منظومة الدعم التمويني ضمن إجراءات تنقية قواعد البيانات، في خطوة تؤكد وزارة التموين أنها تستهدف توجيه الدعم إلى مستحقيه وفق معايير العدالة الاجتماعية. إلا أن مواطنين وخبراء وبرلمانيين يرون أن بعض هذه المعايير قد تؤدي، في حالات معينة، إلى استبعاد أسر لا تزال في أمسّ الحاجة إلى الدعم، بسبب أخطاء في البيانات أو الاعتماد على مؤشرات لا تعكس واقعها الاقتصادي والاجتماعي.

بداية القصة.

بدأت القصة منذ  بدأت وزارة التموين والتجارة الداخلية في تحديث بيانات المستفيدين من منظومة الدعم عبر منصة "مصر الرقمية"، تنفيذًا لإجراءات مراجعة وتنقية قواعد البيانات وفق ما أطلقت عليه "محددات العدالة الاجتماعية". ولا يشعر آلاف المواطنين بأثر تلك الإجراءات إلا مع بداية شهر يوليو من كل عام، حين يفاجىء بعضهم بوقف صرف السلع التموينية أو الخبز المدعم، ليكتشفوا استبعادهم من المنظومة دون إنذار مسبق، في انتظار نتائج التظلمات التي قد تستغرق عدة أيام أو أسابيع.

وتؤكد وزارة التموين أن الهدف من هذه الإجراءات هو ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، والاعتماد على مؤشرات موضوعية تعكس القدرة الاقتصادية للأسر، مثل امتلاك سيارات مرتفعة القيمة، أو شركات، أو سداد مصروفات تعليم خاصة أو دولية، أو الإقامة في تجمعات سكنية راقية، أو حيازة مساحات زراعية كبيرة، بما يسهم في ترشيد الإنفاق العام وتحقيق العدالة في توزيع الدعم.

إلا أن التحقيق يرصد، في المقابل، حالات تؤكد أنه خلال الأعوام الماضية كانت المؤشرات لا تعكس دائمًا الواقع المعيشي للأسر، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى كفاية الاعتماد على قواعد البيانات وحدها في اتخاذ قرارات تمس أحد أهم برامج الحماية الاجتماعية في مصر.

قصص إنسانية.

تقول إحدى السيدات، التي فضلت عدم ذكر اسمها، إنها فوجئت بوقف صرف الخبز المدعم لأسرتها المكونة من أربعة أفراد، رغم أن أبناءها لم يكونوا مضافين أصلًا إلى البطاقة التموينية. وتوضح أنها اضطرت إلى إلحاق نجلها بمدرسة خاصة عربية منخفضة المصروفات بعد تعرضه لسوء معاملة داخل المدرسة الحكومية، وأنها تتحمل تكاليف الدراسة والعلاج بمساعدة الجمعيات الخيرية وبنظام التقسيط، متسائلة: "هل أصبح علاج ابني وتعليمه سببًا في حرماننا من رغيف الخبز؟"

ولا تختلف قصة "ماري عبد الملاك" كثيرًا، إذ ترى أن التحاق الأبناء بمدارس خاصة لا يعني بالضرورة تحسن المستوى الاقتصادي للأسرة، موضحة أن كثيرًا من الأسر تلجأ إلى هذا الخيار بعد الاستدانة أو الاستغناء عن احتياجات أساسية، بحثًا عن بيئة تعليمية أكثر أمانًا لأبنائها. كما تؤكد "نرمين عبد الرحمن" أنها اضطرت إلى نقل أبنائها إلى مدرسة خاصة محدودة المصروفات لحمايتهم من التنمر، رغم إقامتها في مسكن بالإيجار واعتمادها على دعم أسرتها في سداد المصروفات، لكنها فوجئت أيضًا بحذف بطاقتها التموينية.

وفي حالات أخرى، ارتبط الاستبعاد بأخطاء في قواعد البيانات أو بمؤشرات لا تعكس طبيعة الحالة الاجتماعية. فقد أكد "ممدوح عبد الرحمن" أن بطاقته أوقفت بدعوى امتلاكه سيارة، رغم حصوله على إفادة رسمية من إدارة المرور تؤكد عدم امتلاكه أي مركبة. بينما أشار "إيهاب مهدي" إلى استبعاد بعض الأشخاص ذوي الإعاقة بسبب امتلاكهم سيارات مجهزة، على الرغم من أن هذه المركبات تمثل وسيلة مساعدة تفرضها طبيعة الإعاقة، ولا تعد مؤشرًا على الثراء أو ارتفاع القدرة المالية.

بين حماية المال العام وضمان العدالة الاجتماعية

لا يختلف اثنان على أهمية حماية منظومة الدعم من التلاعب أو وصوله إلى غير مستحقيه، وهو ما تؤكد عليه وزارة التموين والتجارة الداخلية باعتباره هدفًا رئيسيًا من تنقية قواعد البيانات. إلا أن نجاح أي سياسة للحماية الاجتماعية لا يقاس فقط بحجم الوفر المالي الذي تحققه، وإنما أيضًا بقدرتها على حماية الفئات الأكثر احتياجًا من الوقوع خارج مظلة الدعم نتيجة أخطاء البيانات أو الاعتماد على مؤشرات قد لا تعكس أوضاعها المعيشية بدقة.

ويؤكد الدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، أن تنقية قواعد البيانات جاءت بعد رصد مخالفات عديدة داخل منظومة الدعم، من بينها ظاهرة "تجميع البطاقات" لدى بعض المخابز، وترك المواطنين بطاقاتهم التموينية لاستخدامها بصورة غير قانونية، فضلًا عن وجود حالات حصلت على الدعم رغم عدم استحقاقها، وهو ما استدعى إعادة مراجعة قواعد البيانات لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه.

وفي السياق نفسه، أوضح أحمد كمال، المتحدث الرسمي باسم وزارة التموين والتجارة الداخلية، أن الدولة حريصة على تحقيق التوازن بين حماية المال العام وعدم الإضرار بالمواطن المستحق، مشيرًا إلى أن الوزارة أعادت بالفعل تفعيل البطاقات التموينية للمواطنين الذين ثبتت سلامة موقفهم القانوني بعد مراجعة البيانات بالتنسيق مع وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، مع استمرار وقف الدعم فقط في الحالات التي ثبت فيها ارتكاب مخالفات جسيمة، مثل سرقة التيار الكهربائي، تنفيذًا لتوجيهات مجلس الوزراء. وأضاف أن عدد البطاقات التي شملها قرار الوقف بلغ نحو 850 ألف بطاقة تموينية.

ورغم تأكيد الوزارة أن باب التظلمات مفتوح أمام جميع المتضررين، يرى عدد من المواطنين أن المشكلة لا تقتصر على إتاحة التظلم، وإنما تمتد إلى طول الإجراءات وما يصاحبها من أعباء مالية وإدارية، خاصة بالنسبة للأسر التي تعتمد بصورة أساسية على الدعم في توفير احتياجاتها اليومية.

رحلة التظلم

تنص الآلية التي أعلنتها وزارة التموين على أن يبدأ المواطن بتحديث بياناته عبر منصة "مصر الرقمية"، ثم التوجه إلى مكتب التموين المختص لتقديم طلب التظلم مرفقًا بالمستندات الداعمة، على أن تقوم مديريات التموين بفحص الطلبات وإرسالها إلى الوزارة للبت فيها خلال مدة لا تتجاوز عشرة أيام، مع إعادة تشغيل البطاقة اعتبارًا من الشهر التالي إذا ثبت استحقاق صاحبها للدعم.

غير أن التجربة العملية التي رصدها التحقيق تكشف جانبًا آخر من الصورة؛ إذ تؤكد "رؤى منصور" أن رحلة التظلم تمثل عبئًا إضافيًا على الأسر، بداية من جمع المستندات المطلوبة، مرورًا بالتنقل بين الجهات المختلفة، وانتهاءً بانتظار النتيجة، وهي فترة قد تُحرم خلالها الأسرة من أحد أهم مصادر الأمن الغذائي. كما يشير "جوزيف إسحق" إلى أن بطاقته متوقفة منذ سنوات بسبب بيانات يصفها بأنها غير صحيحة، رغم تقدمه بعدة تظلمات دون التوصل إلى حل نهائي.

وتكشف هذه الحالات أن كفاءة منظومة التظلمات لا تقاس فقط بوجودها، وإنما بسرعة إنجازها، ودقة مراجعة البيانات، وقدرتها على تصحيح الأخطاء قبل أن تتحول إلى عبء جديد على المواطنين المستحقين للدعم.

العدالة لا تتحقق بالمؤشرات وحدها

ويرى الدكتور نادر نور الدين، المستشار السابق لوزير التموين، أن وزارة التموين ليست الجهة التي تتخذ قرار الاستبعاد، وإنما تتولى إخطار المواطنين وتنفيذ القرارات الصادرة بناءً على قواعد البيانات المركزية، وهو ما يفسر تأكيد الوزارة أن قرارات الحذف لا تصدر عنها مباشرة.

وفي مجلس النواب، تؤكد النائبة نشوى الشريف دعمها لجهود الدولة في تنقية منظومة الدعم، لكنها تشدد في الوقت نفسه على ضرورة أن تستند قرارات الاستبعاد إلى دراسة دقيقة للظروف الاجتماعية والاقتصادية لكل أسرة، موضحة أن مجرد التحاق الأبناء بمدارس خاصة منخفضة المصروفات لا يمكن اعتباره دليلًا قاطعًا على ارتفاع مستوى المعيشة، كما طالبت بنشر بيانات واضحة حول أعداد البطاقات المستبعدة، وعدد التظلمات المقبولة والمرفوضة، وقيمة الوفر الذي تحقق، بما يعزز الشفافية ويتيح للمجتمع والبرلمان تقييم أثر هذه السياسات.

إن هذه المطالب لا تتعارض مع هدف الدولة في حماية المال العام، بل تدعو إلى تطوير آليات الاستهداف بحيث تجمع بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وتضمن ألا يؤدي السعي إلى استبعاد غير المستحقين إلى حرمان مستحقين حقيقيين من أحد أهم برامج الحماية الاجتماعية.

من حق الدولة... ومن حق المواطن أيضًا

تكشف الحالات التي رصدها التحقيق أن بعض الأسر لم تُحرم من الدعم بسبب تحسن أوضاعها الاقتصادية، وإنما بسبب ظروف إنسانية أو تعليمية أو صحية لا تعكس بالضرورة ارتفاع مستوى معيشتها، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول مدى مرونة منظومة الاستهداف وقدرتها على التمييز بين من يمتلك أصلًا يدر دخلاً، ومن يمتلكه دون أن يحقق له أي قدرة مالية حقيقية.

كما تؤكد شهادات المواطنين أن إجراءات التظلم، رغم أهميتها، لا تزال تمثل عبئًا إضافيًا على الأسر التي تعتمد على الدعم في توفير احتياجاتها الأساسية، وهو ما يجعل سرعة الفصل في الطلبات ودقة مراجعة البيانات جزءًا أساسيًا من تحقيق العدالة الاجتماعية، وليس مجرد إجراء إداري.

ومن هنا، فإن الوصول إلى منظومة دعم أكثر عدالة لا يتحقق فقط بتنقية قواعد البيانات، وإنما ببناء قواعد بيانات أكثر دقة، ومراجعة المؤشرات بصورة دورية، وإتاحة آليات فعالة لتصحيح الأخطاء، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، ويحافظ في الوقت نفسه على حق الدولة في حماية مواردها.

مطالب المواطنون والخبراء

خلص التحقيق، من خلال شهادات المواطنين وآراء الخبراء والمسؤولين والبرلمانيين، إلى مجموعة من المقترحات التي يمكن أن تسهم في تعزيز عدالة منظومة الدعم، من أبرزها:

  • مراجعة معايير الاستبعاد بحيث تراعي الظروف الاجتماعية والاقتصادية لكل أسرة، ولا تعتمد على مؤشر واحد بمعزل عن بقية المؤشرات.
  • التحقق من صحة البيانات قبل تنفيذ قرارات وقف الدعم، مع منح المواطن فرصة لتصويب أي بيانات غير دقيقة.
  • الإسراع في فحص التظلمات، وتقليل الإجراءات المطلوبة، خاصة للفئات الأكثر احتياجًا.
  • استثناء الحالات الإنسانية، مثل الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يستخدمون سيارات مجهزة، والأسر التي تلتحق بمدارس خاصة منخفضة المصروفات لأسباب اجتماعية أو صحية، من التطبيق الآلي لبعض مؤشرات الاستبعاد.
  • تعزيز التكامل بين قواعد البيانات الحكومية، بما يقلل من احتمالات الخطأ أو تكرار المعلومات غير المحدثة.
  • نشر بيانات دورية تتضمن أعداد البطاقات المستبعدة، وأسباب الاستبعاد، وعدد التظلمات المقبولة والمرفوضة، بما يعزز الشفافية والثقة المجتمعية.
  • تقييم أثر قرارات الاستبعاد على الأمن الغذائي للأسر منخفضة الدخل، والاستفادة من نتائج هذا التقييم في تطوير سياسات الدعم مستقبلًا.

كيف يتأكد المواطن من موقف بطاقته التموينية؟

إذا فوجئت بوقف صرف الدعم:

  1. التحقق من سبب الإيقاف.
  2. تحديث البيانات عبر منصة مصر الرقمية.
  3. تجهيز المستندات المؤيدة للحالة.
  4. تقديم التظلم إلى مكتب التموين المختص.
  5. متابعة الطلب عبر الوسائل التي حددتها الوزارة.
  6. إعادة تشغيل البطاقة إذا ثبت الاستحقاق.
استطلاع رأي

قرارات الاستبعاد من الدعم .. هل تعكس معايير الحذف الأخيرة من بطاقات التموين (امتلاك سيارة أو المدارس الخاصة) الأوضاعة الاقتصادية الحقيقية للأسر المصرية؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

قصص لابد من قراءتها

حنان فكري
رئيس التحرير

“كاتبة وصحفية استقصائية مصرية، تشغل موقع مساعد رئيس تحرير جريدة ‘وطني’. تجمع مسيرتها المهنية الممتدة بين الإعلام البيئي (كباحثة دكتوراه في صحافة المناصرة وماجستير العلوم البيئية من جامعة عين شمس) والعمل الإنساني التمكيني (بكالوريوس العلاج النفسي والمشورة لضحايا الإيذاء الجنسي). شغلت سابقاً عضوية مجلس نقابة الصحفيين ورعاية صالون ‘المواطنة’، وتلتقي بقرائها دورياً عبر عمودها ‘جر شكل’.”

شارك بقصتك

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x