
تحقيق: نورا نجيب - ناريمان يني
المعلمون: بمقدور وزارة التربية والتعليم التدخل تشريعياً لإنهاء احتكار دور النشر.
أولياء الأمور: الكتب الخارجية ملاذنا الإجباري ونطالب بعدالة تعليمية.
المرأة والأرزاق: أمهات يضحين بغذاء أسرهن وملابسهن لتسديد فاتورة "السوق الموازي".
مفاجأة الاستغلال: معلمون يقرصنون "بنك المعرفة" المجاني لتوظيفه في الدروس الخصوصية
قبل بداية العام الدراسي بوقت ليس بقليل، جلست "داليا" تدبر النفقات اللازمة لتوفير المتطلبات الدراسية لأبنائها الأربعة. أخذت الأُم تحدد الميزانيات بعناية وقلق؛ بدءاً من دفع المصروفات المدرسية بزيادتها السنوية، مروراً بالأدوات والملابس والحقائب والأحذية، وصولاً إلى العبء الأكبر المتمثل في حجز مجموعات الدروس الخصوصية. وضمن هذه الدائرة المفرغة، بقيت الخانة الأخيرة والأكثر استنزافاً: ميزانية شراء "الكتب الخارجية".
وفي صباح اليوم التالي، هرعت داليا إلى الأسواق لشراء الكتب قبل نفادها، لتصطدم بـ "صاروخ الأسعار". أصابتها الصدمة وظلت تفكر في كيفية تأمينها؛ فالمنظومة التعليمية الموازية فرضت شروطها؛ حيث لن يوافق معلم الدرس الخصوصي على دمج أبنائها دون إحضار النسخة الخارجية، كما أنها لا تملك بديلاً للاستذكار لصغيرها. وأمام هذا العجز، اتخذت داليا قراراً قاسياً: شراء الكتب والتخلي تماماً عن شراء أي ملابس جديدة لها ولزوجها، مع استبدال الوجبات الرئيسية بأخرى تقشفية وأقل تكلفة لأسرتها لمدة شهر كامل!
هذا ليس حال داليا بمفردها، بل هو واقع تعيشه آلاف الأمهات والسيدات اللاتي يجدن أنفسهن في خط المواجهة الأول لإدارة أرزاق وميزانيات المنازل؛ إذ تقع على كاهل المرأة التضحية بالاحتياجات الأساسية والصحية والغذائية لأسرتها مقابل تلبية فاتورة "سوق التعليم الموازي". فمن يصنع أزمة الكتب الخارجية؟ وكيف يتقاطع غلاء الأسعار مع ثبات الدخول ليعمقا الفجوة الطبقية والتعليمية في المجتمع؟
"لا بديل" للهروب من فقر المناهج الرسمية
تبدأ ولاء طاحون (ولية أمر) حديثها قائلة:
"الاستغناء عن الكتب الخارجية أصبح ضرباً من المستحيل؛ فأبنائي يعتمدون عليها كلياً نظراً لاحتوائها على شرح مبسط وتدريبات مكثفة على نوعيات الأسئلة الحديثة، وهو ما افتقرت إليه الكتب المدرسية الرسمية التي باتت شحيحة في معلوماتها وتطبيقاتها وعاجزة عن مجاراة متطلبات الامتحانات".
الأمر ذاته تؤكده شيرين زكي (ولية أمر لثلاثة طلاب) من زاوية أكثر عمقاً:
"الاعتماد على الكتب الخارجية وصل إلى حد مقاطعة استلام الكتب المدرسية من الأساس؛ لأن منظومة المدرسة غاب عنها الشرح والاهتمام الفعلي، وأصبح الكتاب الخارجي هو الركيزة الوحيدة التي تمكنني كامرأة من متابعة استذكار أبنائي وإدارة تحصيلهم العلمي في المنزل".
"بحر من الأسئلة" وتابلت بلا أوراق
من داخل المنظومة، يعترف (أ. ي)، مدرس فلسفة بإحدى المدارس الحكومية، بوجود أزمة احتكار واضحة:
"الارتفاع المبالغ فيه بأسعار الكتب الخارجية هذا العام، وخاصة للمرحلة الثانوية، يتجاوز منطق زيادة أسعار الورق؛ بل يعود إلى استغلال حاجة الطلاب الإجبارية إليها. فالوزارة توقفت عن طباعة الكتب الورقية لهذه المرحلة واكتفت بنسخ إلكترونية عبر (التابلت)، مما دفع الطالب للبحث عن بديل ورقي ملموس يحتوى على بحر من الأسئلة المتنوعة. والمؤسف أن المعلم أيضاً بات يستسهل الاعتماد عليها داخل الفصل وفي الدرس الخصوصي، رغم أن بعضها يحتوي على معلومات مغلوطة أو إجابات خاطئة تحتاج تدقيقاً، ومع ذلك لا يستغني أحد عنها".
تسليع التعليم.. عندما يتحول المعلم إلى "وكيل إعلاني"
في المقابل، تطرح مارينا ميلاد، مدرسة اللغة الفرنسية بإحدى المدارس الخاصة، نموذجاً مختلفاً للمواجهة لكنها تكشف كواليس خطيرة:
"أنا اعتمد على ذاتي في إعداد الملازم والتدريبات بالاستعانة بالمواقع التعليمية المفتوحة والإنترنت، تلافياً لثقل الفاتورة على كاهل أولياء الأمور. لكن الأزمة أن الغالبية العظمى من المعلمين تخلوا عن عناء التحضير والكتابة، وأصبحت الكتب الخارجية وسيلتهم السريعة لإنجاز الدروس الخصوصية المتكدسة".
وتفجر مارينا مفاجأة حول آليات السوق السوداء قائلة:
"لم تعد مؤسسات طباعة الكتب الخارجية معنية بتحسين المستوى العلمي، بل تحولت إلى تجارة تنافسية هدفها الربح الاحتكاري. تعمد هذه الشركات إلى إبرام اتفاقات تسويقية مع معلمين مشهورين لترشيح كتبها للطلاب، مقابل توزيع نسخ مجانية ومكافآت كنوع من الدعاية، فضلاً عن سياسة 'تعطيش السوق' لرفع الأسعار التي تخطت حاجز الـ 400 جنيه لمدارس اللغات، مع إجبار المكتبات على عدم إرجاع المرتجع لضمان ثبات الأرباح".
منجم "بنك المعرفة" الرقمي.. مهجور وضائع!
وفي سياق البحث عن المخارج البديلة، تشير (م. د)، معلمة رياض أطفال، إلى الفجوة التكنولوجية وغياب الوعي:
"البدائل الرسمية والمجانية موجودة بالفعل ويمثل (بنك المعرفة الإلكتروني) والقنوات التعليمية مثل (مدرستنا) منجماً حقيقياً للمعلومات والأسئلة الشاملة والمبسطة. لكن الأزمة تكمن في أن الوزارة لم تسهل أو تروج لكيفية استخدام الطلاب لهذه المواقع بسلاسة، فضلاً عن أن المنظومة (معلماً وطالباً وولي أمر) اعتادت النمط الورقي التقليدي وتستصعب التعامل الرقمي. بل إن الصدمة تكمن في قيام بعض المعلمين بقراصنة محتوى بنك المعرفة وصياغته في ملازم خاصة لبيعها في الدروس الخصوصية بدلاً من توجيه الطلاب لكيفية الدخول المجاني إليه!".
وتقترح المعلمة حلولاً عاجلة:
"يجب على الوزارة إعادة إحياء (كتب النماذج والبوكليت الرسمية) التي كانت تطبعها في الثمانينات والتسعينات وتوزيعها بسعر التكلفة، أو طباعتها للمعلمين فقط ليقتبسوا منها للطلاب، مع ترسيخ ثقافة تبادل واستخدام الكتب الخارجية القديمة للسنوات السابقة بدلاً من الانصياع وراء حمى الطبعات الجديدة".
الأبعاد التربوية والاقتصادية للأزمة
لتحليل هذه المعضلة من منظور أكاديمي وتنموي، فجّر الدكتور حسن شحاتة، الخبير التربوي وأستاذ المناهج بكلية التربية جامعة عين شمس، حقيقة صادمة بوصفه للكتاب الخارجي بأنه:
"بمثابة (حبوب لمنع التفكير)؛ لأنه يقدم إجابات جاهزة ومصمتة تسلب الطالب مهارة البحث والتحليل، فضلاً عن كونه يسطو على مكانة الكتاب المدرسي ويصرف الأنظار عنه".
وأضاف شحاتة مستنكراً غياب الرقابة القانونية:
"الشركات الناشرة للكتب الخارجية لا تدفع حقوق الانتفاع بالمناهج لوزارة التربية والتعليم، ومن حق الوزارة قانوناً مصادرتها أو رفعها مجاناً على منصاتها الرسمية. هناك قانون أصدره الدكتور أحمد فتحي سرور عام 1985 ينص صراحة على حظر تداول أو إتاحة أي كتاب خارجي في الأسواق قبل وصول الكتاب المدرسي رسمياً لأيدي الطلاب، وما نراه الآن من نزول الكتب الخارجية قبل العام الدراسي بأسابيع يعكس تواطؤاً واضحاً يتطلب تفعيل الأداة الرقابية وتطبيق التسعير الجبري لهذه الكتب تماماً كالمصروفات المدرسية".
وعلى الجانب الاقتصادي، توضح الدكتورة لبنى عبد الحميد، خبيرة المناهج والنظم التربوية، أبعاداً أخرى:
"الأمر يرتبط أيضاً بأزمة التضخم العالمي؛ فنحن نستورد الورق بالدولار، وارتفاع كلفته ألقى بظلاله الطبيعية على الطباعة. الصمود أمام هذه الأسعار يتطلب حتماً التحول الجاد نحو الرقمية، أو قيام الوزارة بتطبيق آلية (استعارة الكتب المدرسية والخارجية) عبر مكتبات المدارس؛ بحيث يطالعها الطالب ويعيدها ليتاح لغيره، وهو نموذج مطبق بنجاح في مدارس المجتمع والفصل الواحد لحماية أرزاق وميزانيات الأسر".
الرواية الرسمية والتجارية: الأرقام تحت المجهر
في المقابل، أكدت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني عبر بياناتها الرسمية، إتاحة كافة المواد التعليمية والتدريبية للمناهج الدراسية لجميع الصفوف مجاناً بصيغة إلكترونية عبر موقعها الرسمي (https://moe.gov.eg)، مشيرة إلى أن هذه المواد صُممت عبر كوادر متميزة لتعميق الفهم الذاتي وتقديم اختبارات مميكنة لتقييم التحصيل بالتكامل مع بنوك الأسئلة المفتوحة ضمن مشروع "التقويم من أجل التعلم".
ومن منظور تجاري، نفى بركات صافي، نائب رئيس شعبة الأدوات المكتبية بالغرفة التجارية بالقاهرة، الشائعات المثارة حول وصول الأسعار لأرقام فلكية، موضحاً:
"الحديث عن وصول كتاب إلى ألف جنيه أمر عارٍ من الصحة ومجرد بلبلة؛ فأعلى سعر لكتاب مجمع لا يتجاوز 260 جنيهاً (باستثناء مادة الرياضيات للثانوية العامة المتشعبة لأربعة فروع يصل مجموعها لـ 800 جنيه). الزيادة الإجمالية هذا العام لم تتخطَ الـ 30% والأسعار مطبوعة جبرياً من الناشر في الفجالة وأسواق الجملة، ولا تخضع للمضاربة أو قانون العرض والطلب".
بناءً على المعطيات السابقة، نرفع إلى صناع القرار والمسؤولين بوزارة التربية والتعليم المطالب والحسميات التالية:
- دمج وإتاحة البدائل الاقتصادية: التوسع في فكرة بنوك استعارة الكتب داخل المكتبات المدرسية وتطوير المحتوى الورقي للكتاب المدرسي ليكون تفاعلياً وشاملاً يغني الطالب عن الاستعانة بأي منتج تجاري آخر.
- التسعير الجبري للكتب الخارجية: إدراج الكتاب الخارجي كـ "سلعة استراتيجية تمس الأمن الاجتماعي للبلاد"، وإخضاع الشركات الناشرة لرقابة مالية وتحديد هامش ربح عادل يتناسب مع دخول الأسر ثابتة الدخل.
- إحياء "دليل الطالب" الرسمي: تفعيل دور "مركز الامتحانات والتقويم التربوي" لطباعة أدلة الطالب ونماذج الامتحانات الرسمية الشاملة وتوزيعها بالمواصفات الفنية ذاتها للكتب الخارجية وبيعها "بسعر التكلفة فقط" لكسر مافيا الاحتكار.
- تفعيل قانون حظر التداول المسبق: التطبيق الصارم لقانون عام 1985 الذي يمنع نزول أي كتاب خارجي للأسواق قبل ضمان وصول الكتاب المدرسي المجاني كاملاً ليد كل طالب في ربوع مصر.
- محو الأمية الرقمية التعليمية: إطلاق حملة قومية لتدريب المعلمين والطلاب وتسهيل منصات الدخول لبنك المعرفة والقنوات التعليمية، مع تجريم استخدام المعلمين للكتب الخارجية أو فرضها كشرط للدروس الخصوصية.
إن التعليم حق كالماء والهواء.. وحماية جيوب الأسر وأرزاقهم هي معركة صون لكرامة الإنسان المصري الشريك الأساسي في التنمية المستدامة.



