المشافي.. بين صروح الحجر.. وكرامة البشر

بقلم: حنان فكري -

بينما تتوالى أخبار افتتاح الصروح الطبية، وتتحدث التقارير الرسمية عن طفرة في البنية التحتية، ونظم التحول الرقمي، وتطوير الطاقة الاستيعابية للمستشفيات، يطرح الضمير المجتمعي سؤالاً مُلحاً: هل يكفي حداثة الجدران لضمان كرامة المريض؟

إن البنية المتطورة، وإن كانت ركيزة أساسية، تظل بلا روح إذا لم تكن محصنة بـ "ميثاق أخلاقي" يحمي الإنسان من التجاوزات. ففي الوقت الذي نتغنى فيه بنظم البيانات الإلكترونية وتحديث الغرف، لا تزال أصداء واقعة الطبيبة المحالة للجنايا بتهمة " يث اخبار كاذبة "أمينة سويدان"،  وما نشرته عن "العنف التوليدي" وبعض الانتهاكات داخل غرف العمليات بإحدى المشافي الجامعية، تتردد في أروقة المجتمع، لتطرح تساؤلاً حول الفجوة بين "المعدات الحديثة" و"الممارسات المهنية".

شهادات خلف الأبواب المغلقة

إن واقعة "سويدان" سحبت معها سيلاً من الشهادات الحية التي تناقلها المرضى عبر منصات التواصل الاجتماعي ومراكز الدعم الحقوقي. شهادات تتحدث عن ممارسات تتراوح بين الإهمال النفسي، وتجاوز حدود الخصوصية، وصولاً إلى ما يُصنف عالمياً بـ "العنف التوليدي". ورغم محاولات احتواء الأزمة عبر التقارير الطبية التي أحالت منشور امينة إلى "أزمة نفسية" إلا أن "تبييض وجه" المنظومة بهذه السبل لا يمحو أثر الشكوى الإنسانية.

فالمجتمع يدرك تماماً أن هذه الانتهاكات لا تعبر عن جموع الأطقم الطبية، ولا تنتقص من الدور الوطني للمستشفيات الجامعية التي تعد صمام أمان للمصريين. لكن، التقدير للمؤسسة لا يعني "تأليهها" أو التغاضي عن "الظلال" التي تختبئ في زوايا غرف العمليات. إن الإنكار ليس حلاً، والتعميم مرفوض، لكن "التحقيق الجدي" في كل شكوى هو الحد الأدنى لاستعادة الثقة. خاصة زأن تلك التجاوزات حسل شهادات حية تحدث في مشافي متنوعة  الانتماء سواء الخاصة أو الحامعية او حتى  بعض العيادات ومراكز الأشعة. فالأمر متعلق بضمير القائم على الفحص ومنظومته القيمية، وهذه امور تتفاوت من شخص لآخر ولا تعبر عن جهة بعينها، لكنها موجودة في كل المجتمعات، وإنكارها لا ينفيها.

إن الانتهاكات التي تداولتها الشهادات الحية لا تمثل مجرد أخطاء إجرائية، بل هي خروجٌ عن صريح القانون؛ فالدستور المصري في مادته (18) لم يكفل للمواطن مجرد 'الخدمة العلاجية'، بل اشترط 'معايير الجودة'، وما هذه المعايير إلا سياجٌ لحماية كرامة المريض. فضلًا عن وجود مواد قانونية ومواثيق ملزمة لأخلاقيات المهنة –تُجرّم صراحةً أي تعامل مهين أو تجاوز للخصوصية– إذ وضع المشرّع المصري قد هذه الضوابط مسبقاً لأنه يدرك احتمال حدوث مثل هذه التجاوزات؛ ومنها قانون المنشآت الطبية رقم 51 لسنة 1981 (وتعديلاته) الذي ينظم هذا القانون التزامات المنشأة تجاه المريض، ويؤكد على أن أي تقصير في توفير "بيئة آمنة" أو "أدوات تعقيم" أو "سلوكيات مهنية" يُعد مخالفة قانونية تعاقب عليها الإدارة.

أيضًا لائحة آداب مهنة الطب (نقابة الأطباء) تتضمن نصوصاً صريحة بشأن "حماية المريض من الاستغلال منها : تعتبر أن أي استغلال لحالة المريض (سواء مادياً أو نفسياً أو جسدياً) هو مخالفة تستوجب الشطب من جداول النقابة. كما تنص على أن "المريض له الحق في أن يعرف كل ما يتعلق بحالته الصحية، وأن يشارك في اتخاذ القرار الطبي".

كما ان ميثاق أخلاق مهنة الطب (المرجع الأخلاقي والمهني) الصادر بقرار من وزير الصحة ونقيب الأطباء، وهو المرجع القانوني لمحاسبة أي طبيب أو منشأة، تتضمن أهم مواده في سياق حديثنا: مادة (7): تُلزم الطبيب باحترام خصوصية المريض وعدم إفشاء أسراره إلا بضوابط قانونية.ومادة (14): تُحرم أي شكل من أشكال المعاملة المهينة للمريض أو العنف اللفظي أو البدني، وتؤكد على أن المريض له الحق في المعاملة الإنسانية. ومادة (17): تنص على أن "على الطبيب أن يحترم رغبة المريض، ويجب أن يكون التواصل معه قائماً على التفاهم".

 فلو كانت المشافي وغرف العمليات واحةً للالتزام المطلق، لما احتاج القانون لنص صريح يحمي المريض من 'العنف التوليدي' أو 'انتهاك الخصوصية'. لذا، فإن تفعيل هذه النصوص ومحاسبة من يكسرها ليس انتقاصاً من قدر المستشفيات الجامعية، بل هو التزامٌ بتطبيق القانون الذي وُضع خصيصاً ليحول دون تحول الصروح الطبية إلى بيئة تتنمر على أصحاب الحاجة.

الحاجة إلى "رادار أخلاقي"

إن التحول الرقمي الذي تتحدث عنه الجامعات، وربط البيانات ببعضها، يجب ألا يقتصر على الأمور الإدارية والطبية؛ بل يجب أن يتضمن "نظاماً إلكترونياً للشكاوى" يضمن سرية المريض وكرامته. إن الاستثمار في الحجر يجب أن يواكبه استثمار أعمق في "الضمير المهني":

فلا بديل عن لجان أخلاقيات مهنة مستقلة داخل المستشفيات الجامعية، لا تتبع إدارة المستشفى مباشرة، لتلقي بلاغات الانتهاكات والتحقيق فيها بشفافية.، ويجب أن تتضمن برامج إعداد الكوادر الطبية مواداً مكثفة حول حقوق المريض، وخصوصية النساء في غرف التوليد، واعتبار أي انتهاك للخصوصية "خطأً مهنياً جسيماً" يستوجب المحاسبة. كما يجب على الجامعات أن تمتلك الشجاعة لفتح ملفاتها ومواجهة أي خلل، فإصلاح الخطأ هو التطور الحقيقي الذي ننتظره.

ختامًا.. نحن فخورون بمستشفياتنا الجامعية، وبقاماتنا العلمية التي تبني وتعالج. ولكننا، من أجل هذا الفخر، نطالب بأن تكون هذه الصروح مكاناً يأمن فيه المريض على جسده وروحه، كما يأمن على حياته. إن التطوير الحقيقي ليس في زيادة "الأسرة"، بل في رفع "سقف الاحترام". فليكن التطوير شاملاً: جسداً وروحاً، بناءً وأخلاقاً، لكي لا تظل غرف العمليات صندوقاً أسود، بل مساحة للرحمة والمهنية التي تليق بمصر.

0 0 الأصوات
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
استطلاع رأي

قرارات الاستبعاد من الدعم .. هل تعكس معايير الحذف الأخيرة من بطاقات التموين (امتلاك سيارة أو المدارس الخاصة) الأوضاعة الاقتصادية الحقيقية للأسر المصرية؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

قصص لابد من قراءتها

حنان فكري
رئيس التحرير

“كاتبة وصحفية استقصائية مصرية، تشغل موقع مساعد رئيس تحرير جريدة ‘وطني’. تجمع مسيرتها المهنية الممتدة بين الإعلام البيئي (كباحثة دكتوراه في صحافة المناصرة وماجستير العلوم البيئية من جامعة عين شمس) والعمل الإنساني التمكيني (بكالوريوس العلاج النفسي والمشورة لضحايا الإيذاء الجنسي). شغلت سابقاً عضوية مجلس نقابة الصحفيين ورعاية صالون ‘المواطنة’، وتلتقي بقرائها دورياً عبر عمودها ‘جر شكل’.”

شارك بقصتك

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x