"لام شمسية".. لصوص البراءة يغتالون الأطفال جنسياً ويفلتون بالخرس المقدس

حـنـان فـكـري

بداخلي ثورة جاهزة للانفجار، ومكان الخروج أضيق من نفاذها، طاقتي أضيق من ثقب إبرة، الكلام محشور في حنجرة السكوت، تحجبه المواجع، لا أعرف من أين ابدأ هل من موضع النهاية؟ بعد مشاهدة عشر حلقات فقط من أصل 15 حلقة من مسلسل لام شمسية، تتدفق التساؤلات المؤلمة: كيف لاولئك الذي يجبروننا على الصمت تجاه تلك الجرائم في حق الصغار يخلدون الى النوم كل ليلة دون أن يرف لهم جفن؟

ابتسامة مشرقة ذابت فوق وجه برىء اطفأه الاعتداء، روح صارت مسكونة بالأحزان، مرآة النفس مشروخة تحتاج ترميم، وعذوبة الطفولة انسكبت تحت اقدام المعتدي، شر كامن يُلامس الأماكن، يمسح البسمةَ عن وجوهِ الصغار العالم أبكم وأصم، يسمع ويتظاهر بالصمم، يفضل الصمت عن الوصم، ومزيد من الصمت يعني مزيد من الضحايا، مزيد من الإنكار يعني مزيد من الألم، ومزيد من لصوص البراءة، هذا هو حال الصغار الذين تعرضوا للاستغلال الجنسي فيحيون طفولة مشوهة، ومراهقة ممزقة، ويشبون وحدهم حاملين آلام الانتهاك بكل تفاصيل الخزي والعار المصاحبة له.

"لام شمسية"  يفتح جرحاً غائراً في ضمير المجتمع، مسلسل خرج عن قضبان الدراما المعتادة، بجرأة ورصانة، وحكمة وتعاطف، معتادين من الكاتبة مريم ناعوم، التي شقت حجاب المسكوت عنه، في قضايا الاعتداء والتحرش الجنسي بالأطفال، "لام شمسية" .. صدمة كهربية  قادمة من أوجاع الماضي والحاضر،  لتضرب قلب وضمير المجتمع حتى تمنحه القدرة على الحياة والتعافي عبر مساعدة الناجين على الإفصاح، وتهيئة المجتمع لعدم اصدار الأحكام عليهم، والكف عن وصمهم.

  إذ لا يقتصر مسلسل 'لام شمسية' على كونه دراما اجتماعية تكشف المستور، بل يتجاوز ذلك ليصبح أداة قوية لتعزيز الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة (الصحة الجيدة والرفاه)، والذي لا يرتكز فقط على الصحة الجسدية، بل يمتد ليشمل توفير سبل الرفاه النفسي والاجتماعي وضمان حماية الأطفال من جميع أشكال العنف والانتهاك. فمن خلال تسليط الضوء على قضية التحرش بالأطفال، يضع المسلسل يده على جرح غائر في الصحة النفسية المجتمعية، مؤكداً أن 'الرفاه' الحقيقي لا يتحقق في ظل تنشئة مشوهة أو خوف مكتوم؛ إذ إن حماية أجساد الأطفال ونفسياتهم من الانتهاك هي الركيزة الأساسية لبناء أجيال سوية قادرة على العطاء، مما يجعل من الدراما الجريئة شريكاً استراتيجياً في إنجاح غايات التنمية المستدامة التي تهدف في جوهرها إلى ضمان حياة كريمة وآمنة لكل إنسان، خالية من التهديدات التي تسلب الطفولة أمانها وتسرق من المجتمع استقراره النفسي.  

تسير الحبكة القصصية للمسلسل عبر ثلاثة خطوط درامية، يناقش كل منها جانبًا من القضية. خطان رئيسيان وخط ثالث فرعي، أما الخطان الرئيسيان فهما متوازيان، لكنهـما يلتقيان ويتقاطعان في محطات مهمة، يؤثر كل منهما في الآخر.الخط الأول يتناول قصة الاعتداء الجنسي الذي يتعرض له الطفل "يوسف" — يؤدي دوره علي البيلي — وهو طفل يبلغ من العمر عشر سنوات. يظل يوسف صامتًا، محملًا بإحساس ثقيل بالذنب، لأنه رغمًا عنه استشعر في جسده متعة غامضة، لم يفهمها لكنها زادت من خجله وصمته. يخاف أن يخسر اهتمام المعتدي "وسام" — الذي يجسد دوره محمد شاهين — القريب من العائلة والذي يعتبره بمثابة العم. ينزوي الطفل في صراعه الداخلي، مدركًا أن ما حدث يحمل وصمة اجتماعية ثقيلة، لكنه عاجز عن البوح أو طلب النجدة، ليبقى أسيرًا بين الخوف من الفضيحة والشعور بالعار.

وهنا يلفت صناع المسلسل ومستشاريه النفسيين الى أن الإساءات الجنسية ليست كلها اعتداءات قسرية، ولكن هناك اعتداء يسمى "إغواء الأطفال جنسيا" وهو عملية شديدة المكر، شديدة النعومة، تنتهك براءة الطفل توقعه في  الخوف والمتعة معا، الذان يحكمان عليه بالصمت الأبدي، اذ يطن نفسه مجرماً ويعتقد أن الإفصاح يجعله مكروها ممن حوله، ومحاولات التوقف سوف تحرمه من رفيق المتعة، أو تضعه تحت التهديد منه.وهنا تظهر الأزمة الأشد في دائرة الاعتداء الجنسي، تلك المشاعر التي تطارد الطفل،  تحطم قلبه تكفي لإسكاته سنوات طويلة،  تبقى فيها الصدمة، صوراً حيّةً في ذاكرته، يحاول الفرار منها تلاحقه وتسقطه في المحظور ثم يبقى وحيداً غاضباً صامتاً لائماً لذاته غير قادر على طلب المساعدة،ولا شىء يستند إليه إلا إذا اكتشف أنه محبوباً أكثر من أي وقت مضى، وأن هذا لم يكن خطأه أبدًا في أي ظرف من الظروف.

اشكال الانتهاك الجنسي

التحرش لفظ مخفف، والاعتداء لفظ قانوني، لكن الوصف الدقيق لما يحدث هو الإساءة أو الايذاء أو الانتهاك، لذلك ضمنت منظمة الصحة العالمية تعريف الانتهاك الجنسي كل الاشكال الانتهاك وليس العنف فقط، لأنه يتضمن مجموعة واسعة من السلوكيات التي تشمل التحرش، الاعتداء الجنسي، الاغتصاب، والاستغلال الجنسي، وكل ما يكسر الحدود النفسية والجسدية سواء بالتلامس أو مشاهدة مقاطع مرئية أو مشاهد أو صور أو عري، او استخدام قصص وألفاظ جنسية، وكل ما من شأنه ايقاظ الأحاسيس الجنسية لدى الطفل. وهو ما يدعونا للتأمل في ممارستنا اليومية مع الصغار، كيف نتكلم معهم أو أمامهم، ما الذي يرونه بغير علمنا، وما الذي يسقط سهوا منا.

الخط الدرامي الخفي

اقول ذلك وبمنتهى الصدق في خلفية تفكيري تقبع الأسر المكدسة في غرفة واحدة، بحكم الظروف الحياتية، والفقر والجهل، فالقصة في لام شمسية تنتمي لعائلة متوسطة على درجة كبيرة من الوعي وقدر عالي من التفهم ومساحة جيدة من الخصوصية للأطفال، فما الحال في الأسر التي تضم خمس وست اطفال ينامون جميعا  في غرفة واحدة بل في سرير واحد، لحما فوق لحم، وما الحال في الأسر التي تستباح فيها علاقة الزوجين امام الأطفال وعلى مرأى ومسمع منهم والكل يمثل دور النائم لتمر الحياة، لأنهم ليس لديهم مكان ايواء يتيح لهم مساحة من الخصوصية تحفظ لهم حياء العلاقة الحميمة وتحفظ للاطفال براءتهم، والذين يأوون أكواما من اللحم تخلد للنعاس فوق بعضها، والذين يبيتون بلا راع في الملاجىء وبيوت الأيتام. وليس لديهم من يحميهم أو يصدقهم إذا اطلقوا صرخة استغاثة، اذا كان العالم يُسكِت أبناء الأسر المستقرة فما بالنا بالذين أتوا الى الدنيا بلا عائلة.

صدمة الإساءة الجنسية

 إن الإساءة الجنسية تتسبب في صدمة شديدة للنفس والروح، ووفقا للقاموس الأمريكي المرجعي الشهير "ويبسترن"  "الصدمة هزة عاطفية تتسبب في ضرر دائم وجوهري للنمو النفسي للإنسان، وبذلك تتجاوز الحدود الجسدية وتخترق الحدود النفسية وتؤدي إلى اضطرابات نفسية عميقة، وربما تقضي الضحية بقية عمرها قطباً جاذباً للمُسيئين إليها، وربما تتحول الضحية الى مُسىء، مثلما شاهدنا في "لام شمسية" فيوسف الطفل الذي تعرض للاعتداء، حينما اهمله المعتدي، راح يكرر التجربة مع اخيه الأصغر منه فتحول من ضحية الى معتدي على غير فهم أو وعي.

 في بعض المجتمعات والبيئات، يغض الأهالي النظر عن تلك الألعاب المؤذية التي يلعبها الصغار سوياً، غير واعين بخطورة ما يجري على مستقبلهم حين يتحولوا لراشدين، إنها دوامة مظلمة، لا تكتفي بابتلاع الضحايا بل تعيدهم إلى السطح وقد تحولوا إلى جلادين. هكذا تستمر الإساءة، ليس كحادث عابر، بل كقدر أسود يأخذ من البراءة ويعطي للمأساة.

تسييس الضحايا وأهاليهم

"لام شمسية" يفتح ملف المعتدين غير المعروفين، يبتعد عن المعتدي التقليدي الذي يسير في الشارع بملابس رثة، وهيئة مريبة، بل اختار استاذا جامعياً ومدرساً محبوباً، "وسام" ليشير بأصابع الاتهام على خيانة ذوي القربى ومحل الثقة غير المشكوك فيهم، المحبوبون لدى الأطفال، اللطفاء للغاية، الطبيعيون في سلوكهم الظاهري، فإذا أظهروا على غير ذلك لن يصلوا الى غايتهم وهي "جذب الطفل جنسيا"، جاء ذلك بمثابة تحذير من أننا نحيا مع بعضنا البعض لكننا غالبا لا نعرف كل شىء عن أقرب الناس الينا، فاولئك المعتدون  لديهم استراتيجيات إغواء واستدراج تجعل الطفل مستسلماً، ولديهم خططاً متعددة لمنع الطفل وإيقافه عن فضحهم، كل هذه السمات تمكنهم أيضاً من تسييس الوالدين لاكتساب الثقة. ثم خيانة هذه الثقة.

جرح خيانة الثقة

"لام شمسية"  يفتح ملف الحب وخيانة الثقة، المٌعتدي يربط الضحية بالحب والإغواء، ويقنعه بأن الحب يتطلب الصمت على ما يفعله تجاهه، وفي الوقت الذي يجب على المعتدي أن يكون حامياً يصير معتدياً مؤذياً، فيصير الجرح جرحين، جرح خيانة الحب وجرح خيانة الثقة. جاء ذلك على لسان "الطفل يوسف" خلال جلسته مع الطبيب النفسي:"هو عمل كده بس قال انه بيحبني هو بيحبني" وهنا أشار بوضوح الى النفس الزائفة القابعة داخل المؤذي جنسيا التي  تريد القوة والسيطرة وتسميها حبا، وقد يعكس ذلك اختبار جرح قديم لدى المؤذي،  فحسب الدراسات 35% من المسيئين جنسياً للأطفال هم ضحايا إساءة جنسية أثناء صغرهم.

تشير البيانات الواردة لمنظمة الامم المتحدة من 24 دولة ذات دخل مرتفع ومتوسط إلى أن معدل انتشار تلك الممارسات يتراوح بين 8٪ إلى 31٪ بين الفتيات و3٪ إلى 17٪ بين الأولاد دون سن 18 عامًا. كما اعترف واحد بين كل 20 رجلاً بممارسة سلوك جنسي عبر الإنترنت تجاه الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 12 عامًا. كما تشير التقديرات في كافة أنحاء العالم إلى تعرض ما يقرب من 120 مليون أنثى تحت سن العشرين لأشكال مختلفة من الاتصال الجنسي القسري. في حين لا توجد تقديرات عالمية متاحة للانتهاك الجنسي ضد الأولاد

ما يحدث ليس جديدا ولا بدعة آخر الزمان، ولا سببه الانترنت، حتى لا ندفن رؤوسنا في الرمال، ففي ثمانينات القرن الماضي اطلقت المُنظرة النسوية فلورانس راش كتابا تحت عنوان "السر المخفي الأفضل ..الإساءة الجنسية للأطفال “ The Best Kept Secret” Sexual Abuse وصفت فيه الاعتداء الجنسي على الأطفال بأنه قضية سياسية وأبوية،. تناولت راش مفهوماً جديداً آنذاك: وهو أن الاعتداء قضية أبوية، مستوحاة من الأدلة التي جمعتها في منشأة للفتيات الجانحات، اللواتي تعرضن للاعتداء من الذكور المألوفين لديهن، الآباء، وزوجات الآباء، والإخوة الأكبر سناً، والأعمام ...الخ، باعتبارهم المعتدين جنسياً الرئيسيين على الأطفال، وتتبعت التسامح مع مثل هذه الانتهاكات، خاصة أن المعتدين هم المنوطين بالحماية، وقالت راش في كتابها ان استغلال السلطة، والسيطرة من قبل شخص بالغ أو مراهق ناضج ضد الأطفال، يستغل ضعفهم وافتقارهم للقدرة على الموافقة. أو فهم التداعيات الجنسية، وبالتالي أي تصرفات جنسية تجاههم تعتبر اعتداء.

الإنكار واصدار الأحكام

حين ينكر أهل الضحية الانتهاك الجنسي الذي تعرّض له طفلهم، يتحول الألم إلى كارثة مزدوجة. فالطفل لا يشعر بالخزي فقط من الجريمة المرتكبة في حقه، بل يتجرع مرارة الخذلان من أقرب الناس إليه، وتتضاعف الجراح حين يُطلب منه الصمت، أو يُتهم بالمبالغة، أو يُواجه بالتشكيك. يكرس الإنكار شعور الذنب لدى الطفل، يشعر الطفل أن ما حدث له خطأه هو، وأنه يستحق الصمت والخذلان، حتى أن اللجوء لبعض رجال الدين ينتهي أيضا بوجوب الصمت الذي تعمق حتى صار خرساُ مقدساً يعمّق إحساس الضحية بالذنب والعار. ويفقده الثقة والأمان، فالبيت بدلاً من أن يكون الملجأ، أصبح مكانًا يُفاقم الألم. الطفل يكتشف أن أقرب الناس إليه غير قادرين على تصديقه أو حمايته، فيفقد ثقته بالعائلة، ثم بالمجتمع ككل.، ورجل الدين رمز العدالة على الارض، يقطع بانكاره الطريق على العدالة، إذ يتمكن الجاني من الإفلات وتكرار الجريمة، لأن الإنكار يعني غالبًا التستر، ويمنح المعتدي فرصة لمواصلة جرائمه مع الطفل نفسه أو مع ضحايا آخرين وتستمر الصدمات النفسية وتتعمق وتكبر معه وتطول بطول عمره.، ليحيا متصورا انه بلا قيمة، مستحقًا للإهانة، وينعكس ذلك على كل مناحي علاقاته وحياته مستقبله.

وهو ما أشار اليه مسلسل لام شمسية بوضوح، في مشهد الجلسة النفسية للطبيب الشاب –قام بدوره على قاسم- مع اسرة يوسف حين نصحهم بأهمية اكتساب الطفل الضحية مشاعر آمنة ممن حوله نابعة من عدم اصدار أحكام منهم ضده أو لومه، فقط عليهم أن يحبوه، ويؤكدوا له أن الذنب لم يكن ذنبه ، فالطفل لا يمتلك ارادة الرفض حتى لو تجاوب مع المعتدي، وهو ما يرتب واجبات التوعية الأسرية لكل الأعمار لتعريف الصغار بحدود اجسادهم وحمايتها من اللمسات المريبة. وليس التغطية على الجاني، بل ضرورة محاسبته.

العار للضحية الذكر

"لام شمسية" يكسر حاجز الصمت الذي ظل مشيداً على مر أجيال متعاقبة، يخشى الجميع هدمه، يلامس قضية الإيذاء الجنسي للأطفال في أعمق مستوى وهو تحرش رجل غير مشكوك فيه بطفل ذكر، وهو ما تُخبئه المجتمعات الذكورية خشية الوصم والعار، وعاراً فوق عار وصماً فوق وصم، يحمله الصغير حتى تتشوه تفاصيله النقية، واذ يجد الكبار صعوبة شديدة في التحدث عن الإيذاء الجنسي فماذا سيفعل الصغار؟

ذكاء صناع المسلسل اختار الضحية طفل وليس طفلة، اتصل الرسالة كاملة لضمير المجتمع، فكان الخروج عن المألوف، لمواجهة الظلم المجتمعي بسبب العرف السائد فالانتهاك الجنسي للذكور يُعد وصمة عار اجتماعية في مجتمعاتنا لعدة أسباب نفسية وثقافية واجتماعية، من بينها الخلط بين الضحية والجاني إذ يعتقد البعض، جهلًا، أن من يتعرض للاعتداء كان "ضعيفًا" أو "متواطئًا" أو ربما "راغبًا"، خاصة إذا شعر الضحية بارتباك جسدي لحظي أثناء الاعتداء (وهو رد فعل فسيولوجي قهري وليس دلالة رضا)

كذلك بسبب الصورة النمطية للرجولة التي تفترض بالخطأ أن الرجل يُفترض أن يكون قويًا لا يُعتدى عليه، وعندما يحدث العكس، يشعر المجتمع وكأن هذه القوة قد انكسرت، فيتم لوم الضحية بدلًا من مساندة الألم الذي تعرض له. ويظل الضغط مستمراً والوصم عبر نشأة مخاوف تربط الانتهاك بالميول الجنسية:، وهو ما تمت معالجته دراميا بوضع المعتدي في صورة عائلية طبيعية، فظهر "وسام" المعتدي كرجل متزوج ولديه ابنة مراهقة، وزوجة نهشها الضعف والصمت على التشوهات النفسية للزوج المعتدي، وهنا اراد الكاتب التأكيد على عدم الربط بين الميول المثلية والاعتداء على الضحية الذكر.           

القانون وحده لا يكفي

بسبب غياب الوعي، وارتباط الجريمة بالعار والوصم، تظل القضايا في المحاكم قليلة بسبب الخوف من الفضيحة، بالرغم من أن القوانين المصرية في هذا الشأن واضحة وتجرم تلك الأفعال ففي  المادة (116 مكرر) من قانون الطفل المصري رقم 12 لسنة 1996 المعدل بالقانون 126 لسنة 2008: تنص المادة على أن : "تُغلظ العقوبات المقررة للجنايات والجنح إذا ارتُكبت الجريمة من قِبَل أحد الأشخاص المنوط بهم حماية أو رعاية الطفل أو ممن لهم سلطة عليه أو ممن هو خادم عنده، أو إذا وقعت الجريمة في إحدى مؤسسات رعاية الأطفال أو التعليمية أو الاجتماعية أو في المسكن المشترك."✅ هذا يعني أن العقوبة تُضاعف إذا كان المعتدي أبًا، قريبًا، مدرسًا، مدربًا، أو شخصًا في موقع ثقة أو مسؤولية.

وفي قانون العقوبات  تنص المادة 269 عل معاقبة من هتك عرض طفل أو حاول ذلك، بالسجن المشدد لمدة لا تقل عن 7 سنوات.✅ وهنا لا تفرّق القوانين بين الضحية الذكر أو الأنثى، بل يجرّم الفعل على أساس الاعتداء الجنسي نفسه.، وفي المادة (116 مكرر "أ") من قانون الطفل المصري: يُعاقب بالسجن المشدد كل من استغل طفلًا في صور إباحية، أو استغلال جنسي أو تجاري أو اقتصادي."

لكن يقف العار عقبة أمام التقاضي، ورغم وجود هذه النصوص، لا تصل كثير من القضايا إلى ساحات القضاء، بسبب الخوف من العار والوصمة الاجتماعية. رفض الأهل الإبلاغ، خوفًا على سمعة العائلة والطفل.محاولة التستر وتسوية الأمور عرفيًا. ووفقًا لتقرير المجلس القومي للطفولة والأمومة (2023)، فإن:"80% من حوادث التحرش بالأطفال لا يتم الإبلاغ عنها رسميًا، بل تظل حبيسة جدران المنازل." لذلك جاء لام شمسية بمثابة صرخة ربما يعدل المجتمع عن سلوكه تجاه التغطية على تلك الجرائم التي تسهم في تشويه نفوس الاجيال .

ذاكرة الجسد والخط الدرامي الثاني

ما قد يحدث في بضعة أيام، وأحيانًا حتى في يوم واحد، يمكن أن يُغير مسار حياة إنسان بأكملها. ويحول النفس الآمنة الى خرائب، تسكنها آثار الماضي وذكرياته الموجعة، وجروحه، تحول النفس الغنية الى نفس منهوبة، قد يكون الأمر غير عادل، لكن في عالم يعج بالضغوط، تحدث الإساءة الجنسية، إنها الشِدة الساحقة أثناء الطفولة أو البلوغ. تشطر النفس الى نصفين، يحتاج الالتقاء بينهما رحلة طويلة قد تمتد بطول العمر. وتلقي بظلالها على حياة الناجين وعلاقاتهم رغم مرور سنوات طويلة. هذا هو الخط الدرامي الثاني من الحبكة القصصية في "لام شمسية" يتناول الآثار النفسية العميقة للاعتداء الجنسي في الطفولة على "نيللي" – أمينة خليل-  وهي زوجة والد يوسف، والتي تنتابها كوابيس مفزعة وتفتقد الاستقرار في علاقتها الجنسية مع زوجها "طارق" -احمد السعدني-  والد يوسف، الذي يعلق خيانته لها على شماعة شعورها بآلام وتشنجات مهبيلة اثناء العلاقة الجنسية، بدلا من أن يساعدها على معرفة السبب الخفي وراء ذلك.

"نيللي" زوجة والد يوسف تعاني من كوابيس واحلام مفزعة، تشعر بآلام ورفض داخلي لممارسة العلاقة الحميمة مع زوجها، تثير قضية الاعتداء على يوسف ابن زوجها، ذكريات قديمة دفينة في اعماقها، لتكتشف انها تعرضت للتحرش الجنسي خلال طفولتها، وهنا استخدم صناع المسلسل مهارة الربط بين اعتداءات الطفولة وآثارها في مرحلة الصبا والرشد، على نفسية الضحية، ومستقبلها الأسرى برمته، وبعض مؤيدي انكار الاعتداء وجهوا انتقادا لشخصية "نيللي"، باعتبارها "أفورة"، في تهوين فج للآلام المصاحبة للانتهاك في الطفولة

 فبالرغم من أن الذاكرة تُسقط عمداً بعض الأحداث المؤلمة حتى تتخلص من الألم وليس من الحدث وهو أمر يحدث بدون وعي إذ ينفصل هذا الحدث من تاريخ الشخص تماما عن عقله الواعي، لكنه يظل حاضراً في حياته يؤرقة عبر كوابيس وغضب وحياة جنسية غير طبيعية، وربما في وجود واقعة مشابهة يخرج للنور مثما حدث مع "نيللي" بسبب ما يسمى بالذاكرة الجسمية فالجسد لا ينسى.

ووفقا لكتاب الجسد يتذكر لبابيت روتشيلد، فإن الذاكرة الجسمية تشير إلى الطريقة التي يُخزن بها الجسم ذكريات الأحداث الصادمة بشكل غير لفظي أو غير واعي. هذه الذاكرة تخزن في العضلات والأنسجة المختلفة في الجسم، وتظهر في شكل استجابات جسدية أو عاطفية في مواقف مشابهة لاحقًا.على سبيل المثال، شخص تعرض لصدمة قد يشعر بتوتر في عضلات معينة أو يشعر بتسارع نبضات القلب عند تذكر تلك الصدمة، حتى لو لم يكن هناك محفز حقيقي في اللحظة الحالية. فالجسد لا ينسى ما مر به أبداً، لذلك فإن من يتعرض للانتهاك الجنسي يظل عالقا في ذاكرة جسده حتى لو ذاكرته العقلية اسقطت الحدث بسبب الألم او بسبب صغر السن.

فالضحية تخرج من تجربتها بمخزون من مشاعر التجنب والانسحاب حيناً والعنف والغضب، حيناً، والخزي المستمر يوهم الناجية أنها غير مستحقة في نظر الله ايضاً، ويخلق اسئلة ويرسم علامات استفهام ضخمة بلا اجابات، اولها لماذا لم يتدخل الله؟ حينما اقتطفت البراءة الأولى ؟ هكذا تتساءل الناجية، وتتكتم على الأمر، خشية الوصم، تفتش عن العتق من الخطايا. ويتعمق الألم، ويصيرغائراً حتى يمتد لعقود طويلة لما بعد الزيجة تهدد الرباط المقدس،  وينضج الخزي ويصبح جزءاً من الشخص.

وهو ما يساعد في فهم ما عرضه المسلسل من علاقة نوعية بين وقوع الإيذاء الجنسي في الطفولة مع استمرار إخفاء مشاعر الإساءة ودفنها، وبين جودة العلاقات الزوجية، والقدرة على التواصل العاطفي بين الزوجين، لكن حتى لو تذكر شريك الحياة واقعة الاعتداء هل يمكنه في مجتمعنا البوح بها؟!

إن العلاقة الزوجية بين الناجي وشريك حياته، موضوع شائك جداً خاصة مع الشريك في المجتمعات الشرقية، الذي قد لا يعلم بمحنة زوجته الناجية، التي لا يمكنها البوح لشريكها بوقوع انتهاك سابق، فحينها يصبح الإفصاح في حد ذاته عائقاً لاستمرار الحياة الزوجية، وفي الحالة العكسية إذا كان الشريك رجلاً، فالإفصاح ينتقص من رجولته،إنها ثقافة المجتمع التي تظل عائقا وسداً منيعاً في حالة الإفصاح عن الانتهاك، وفيها يعلو الجدار أمام تأسيس حياة زوجية آمنة تتمتع بالسلام وعلاقة جنسية سليمة طبيعية، تزداد الشكوك والتوترات، وقد تفشل الزيجة برمتها، وتتسبب الشكوك في فساد رحلة التعافي بأكملها، بل أنها قد تسبب صدمة جديدة للناجين.

بيئة المعتدي والخط الثالث

الخط الدرامي الثالث وهو الخط الفرعي هو علاقة المعتدي بزوجته وأسرته وربما يكون هو نقطة الضعف الوحيدة في الحبكة الدرامية، حتى عرض الحلقة العاشرة التي سبقت كتابة هذه السطور مباشرة، تقوم أم المعتدي – تلعب الدور صفاء الطوخي- بالتغطية على ابنها "وسام"، وتحارب الى جواره لمنع فضحه،في تواطؤ فج، وتظهر زوجته – تلعب الدور يسرا اللوزي – بمظهر الزوجة الضعيفة المقهورة التي تصمت بعد أن تلاعب بنفسيتها وتمكن من السيطرة عليها بالعقاقير الطبية حتى وصلت لمرحلة الانهيار والانتحار

ابتعد الخط الدرامي تماما عن اسباب الميل الجنسي لدى البعض نحو الأطفال، ربما يكون ذلك نابعا من خوف صناع العمل من أن يبدو عرض الأسباب كما لو كان مبرراً للفعل، أو خشية التأثير على الخطين الدراميين الأساسيين. حتى الحلقة العاشرة وريما يستحق هذا الخط مقالاً منفصلا لاحقا.

 وأخيراً.. وبعد مشاهدة عشر حلقات فقط من أصل 15 حلقة من مسلسل لام شمسية، هل يدرك المجتمع أن الخطأ ليس في  الضحايا او كما يطلقون عليهم "الناجين من الاعتداء الجنسي"؟.. إن  الخطأ ليس في الجنس ولا في عذوبة المشاعر التي منحنا الله إياها لنستمتع بها، الخطأ في السر المخفي، في الاستغلال والشر الذي يستبيح صغارنا، وهو ما عبر عنه اسم المسلسل والمستوحي من النشيد الخاص للطفل "يوسف" بطل القصة والذي يرمز للمتعة المسروقة مع اغتصاب البراءة ب"اللام الشمسية.. حين قال عنها "زي السر وزي الذنب"، كلمات مكتوبة بمنتهى العبقرية بقلم الشاعر مصطفى ابراهيم،. تنطوي على الفارق بين الجنس في العلاقات الحميمة المقدسة وبين اللصوصية وسرقة البراءة:

لام شمسية ولام قمرية واحدة نقولها وواحدة خفية..

القمرية زى ما هي.. زى الباب والعين والقلب..

والشمسية متخبية زى السر وزى الذنب..

والقمرية لام منطوقة موجودة في كل الأحوال..

والشمسية لام مسروقة مش كل المكتوب يتقال.

استطلاع رأي

قرارات الاستبعاد من الدعم .. هل تعكس معايير الحذف الأخيرة من بطاقات التموين (امتلاك سيارة أو المدارس الخاصة) الأوضاعة الاقتصادية الحقيقية للأسر المصرية؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

قصص لابد من قراءتها

حنان فكري
رئيس التحرير

“كاتبة وصحفية استقصائية مصرية، تشغل موقع مساعد رئيس تحرير جريدة ‘وطني’. تجمع مسيرتها المهنية الممتدة بين الإعلام البيئي (كباحثة دكتوراه في صحافة المناصرة وماجستير العلوم البيئية من جامعة عين شمس) والعمل الإنساني التمكيني (بكالوريوس العلاج النفسي والمشورة لضحايا الإيذاء الجنسي). شغلت سابقاً عضوية مجلس نقابة الصحفيين ورعاية صالون ‘المواطنة’، وتلتقي بقرائها دورياً عبر عمودها ‘جر شكل’.”

شارك بقصتك

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x