لماذا لم يتم إنشاء مفوضية مناهضة التمييز حتى الآن؟!
مها عبد الناصر: نطالب بسرعة مناقشة مشروع قانون مكافحة التمييز وإنشاء المفوضية لوقف تسويف الحكومة.
لمياء لطفي: الاستقلال التام عن السلطة التنفيذية هو الضمانة الوحيدة لفعالية المفوضية.
عبد الناصر قنديل: مصر ملتزمة بإنشاء المفوضية دولياً، وجلسة المحاسبة الأممية تقترب.
عبد الرازق مصطفى: المفوضية مظلة تشريعية تحمي المجتمع من الجرائم الجنائية ذات الطابع التمييزي.
أسماء فتحي: نحتاج آليات قانونية واضحة لحماية المبلغين والشهود في قضايا التمييز القائم على النوع.
محمد عبد الرحيم: غياب المفوضية يمثل تجاهلاً صارخاً للاستحقاق الدستوري ومعاناة الفئات المهمشة.
قبل أكثر من عقد من الزمان، صاغ الشعب المصري وثيقته الدستورية الأهم، حيث سطرت ديباجة دستور 2014 ملامح المستقبل بكلمات قاطعة:
"دستوراً يستكمل بناء دولة ديمقراطية حديثة، حكومتها مدنية، دستوراً يغلق به الباب أمام أي فساد وأي استبداد، ونعالج فيه جراح الماضي.. ونرفع الظلم عن شعبنا الذي عانى طويلاً، دستوراً يحقق المساواة بيننا في الحقوق والواجبات دون أي تمييز. إنه دستور عام 2014، الذي كتبناه نحن المواطنات والمواطنين، نحن الشعب المصري، السيد في الوطن السيد، هذه إرادتنا، وهذا دستور ثورتنا".
السطور السابقة ليست مجرد ديباجة إنشائية، بل هي التزام تعاقدي حمل أملاً حقيقياً في إنهاء جراح "التمييز" المجتمعي والمؤسسي. لكن التساؤل التنموي الذي يفرض نفسه: ماذا يفيد النص الدستوري وحده إن لم يتبعه قانون مكمل يحوله إلى واقع ملموس؟
لقد انتظر المصريون طويلاً إصدار القانون المكمل لإنشاء "المفوضية المصرية لمناهضة التمييز". وعلى الرغم من تقديم مشروعات قوانين متعددة، إلا أن المسارات التشريعية ما زالت معطلة حتى يومنا هذا، رغم مرور أكثر من عشر سنوات كاملة. هذا الجمود دفع قوى المجتمع المدني، وبتنسيق قادته "مؤسسة المرأة الجديدة" بمشاركة تحالف من المؤسسات الحقوقية والمحامين والصحفيين، لتكثيف الجهود وصياغة مشروع قانون ديمقراطي جديد يرتكز على المواد الدستورية (3، 4، 6، 9، 11، 64، 74) وعلى رأسها المادة 53 التي تنص بوضوح على أن:
"المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر. التمييز والحض على الكراهية جريمة يعاقب عليها القانون. تلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز، وينظم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض".
ورغم هذا الإلزام الدستوري الصريح، ورغم صدور "الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان (2021 – 2026)"، فإن الوفاء بهذا الاستحقاق لا يزال مؤجلاً، في وقت باتت فيه المفوضية ضرورة مجتمعية ملحة لا تحتمل التسويف، لاسيما وأن بقاء هذا الملف معلقاً يعطل بشكل مباشر تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة التي التزمت بها مصر، وعلى رأسها الهدف الخامس المعني بالمساواة بين الجنسين، والهدف العاشر الرامي للحد من أوجه عدم المساواة، والهدف السادس عشر الذي يربط بين السلام والعدل وبناء المؤسسات القوية؛ إذ لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية طالما ظلت الفئات الأكثر عرضة للتمييز، كالنساء والأقليات والفئات المهمشة، بلا ظهير مؤسسي يحمي حقوقها ويضمن تكافؤ فرصها في المجتمع.
"نص دستوري متقدم.. وتفعيل غائب"
يحلل الباحث السياسي، عبد الناصر قنديل، المشهد قائلاً: "بالنظر إلى المادة 53 من الدستور، نجد أنها رصدت بدقة 12 شكلاً من أشكال التمييز، وهو نص غير مسبوق ومتطور للغاية؛ إذا ما قورن بدستور 2012 الذي خلا تماماً من رصد أشكال التمييز، أو دستور 1971 الذي اقتصر على ثلاثة أشكال فقط. نحن أمام نص دستوري متقدم جداً، لكن الأزمة تكمن في غياب الإرادة لتفعيله على أرض الواقع".
ويضيف قنديل: "تأسيس المفوضية يمثل أيضاً التزاماً دولياً قاطعاً على الدولة المصرية؛ حيث تعهدت بإنشائها أمام المجلس الدولي لحقوق الإنسان في إطار آلية الاستعراض الدوري الشامل (UPR) لعام 2019. كما تم إدراجها كهدف رئيسي في الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان عام 2021. وبناءً عليه، فإن مصر ستكون في موضع تساؤل ومحاسبة دولية أممية أمام المجتمع الدولي في الاستعراضات الدورية المقبلة حول مدى التزامها بتطبيق الوعود التي قطعتها".
وأوضح قنديل أن الأزمة ليست في غياب المقترحات؛ فالحوار الوطني أفرد مساحات واسعة للملف، وصاغ مشروعاً شبه متكامل للمفوضية يشمل التعريفات والهيكل الإداري، كما أن هناك مشروعات قوانين برلمانية جاهزة، أبرزها المشروع المقدم من النائبة مها عبد الناصر، ولكن لم يتم إحالته للجنة المختصة حتى الآن انتظاراً لمشروع القانون الحكومي الذي لم يخرج للنور بعد.
ويستطرد قنديل مستشهداً بوقائع ميدانية: "الواقع يؤكد حاجتنا الفورية للمفوضية؛ فرغم إدخال تعديلات على قانون العقوبات لتغليظ عقوبة التنمر والتمييز القائم على العرق واللون والنوع (مثل واقعة الطالب السوداني، ووقائع التنمر ضد ذوي الإعاقة)، إلا أن هذه التعديلات تظل ردود أفعال مؤقتة لا تغني عن وجود مؤسسة قومية مستقلة ومستدامة لإدارة الملف".
حظر التمييز لحماية السلم المجتمعي
تؤكد النائبة مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، تحركها التشريعي قائلة: "تقدمت بطلب رسمي لسرعة مناقشة مشروع قانون مكافحة التمييز إنشاء المفوضية المستقلة، والذي أحيل إلى لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بالمجلس ولكن تجمد هناك دون مناقشة. لقد أعدت تقديم الطلب مجدداً لأن هدفنا هو إقامة مجتمع قائم على المواطنة الحقيقية، لا يُظلم فيه مواطن بسبب جنسه أو دينه أو جرافيته".
وتوضح المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون أن مصر ملزمة دولياً بموجب توقيعها على الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (1966)، واتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو" (1979)، واتفاقيات حماية الأشخاص ذوي الإعاقة.
وتضيف النائبة: "القانون يستهدف بناء آليات مؤسسية رقابية إلزامية على مؤسسات الدولة العامة والخاصة، مع وضع نظام إجرائي صارم يتيح استصدار أوامر وقتية بوقف الانتهاكات فوراً، وحماية الضحايا وتوفير آليات التعويض وجبر الضرر، بالتوازي مع نشر ثقافة المساواة وتكافؤ الفرص من خلال المناهج التعليمية والمنابر الإعلامية".
استقلالية المفوضية.. خط أحمر
من جهتها، تنتقد لمياء لطفي، مديرة المشروعات بمؤسسة المرأة الجديدة، التباطؤ التشريعي قائلة: "كان من المفترض دستورياً أن يُقر هذا القانون في أول دور انعقاد للبرلمان عقب إقرار الدستور، لكننا واجهنا مماطلة امتدت لعقد كامل. دور المفوضية ليس تجميلياً، بل هي كيان مفوض من المجتمع لحماية الأفراد في المجالين العام والخاص".
وتستعرض لمياء جهود المجتمع المدني: "على مدار سنوات، عملت مؤسسة المرأة الجديدة ومؤسسة قضايا المرأة المصرية بجهود ذاتية على التوعية والتنوير، لأن غياب الوعي الشعبي بدور المفوضية جعل المطالبة بها غير مكثفة بالشكل الكافي. والآن، قمنا كمجموعة عمل بمراجعة كافة مشروعات القوانين السابقة لتنقيحها وصياغة مشروع قانون موحد يضمن محددات حاسمة".
وعن هذه المحددات، تشدد لمياء: "الشرط الأساسي هو الاستقلال التام للمفوضية عن السلطة التنفيذية، وأن تتبع برلمانياً وتُمول مباشرة من ميزانية الدولة لضمان حيادها، وألا تتحول إلى مجرد جهة استشارية بلا أنياب ملموسة مثل بعض المجالس القومية الحالية. نريد لها دوراً رقابياً وإلزامياً، يملك سلطة مراجعة القوانين السابقة وتنقيتها من شبهات التمييز، ومراجعة المشروعات المستقبلية قبل صدورها، وتلقي الشكاوى والتدخل كشريك قانوني في الدعاوى القضائية لحماية الضحايا، بمن فيهم الأجانب واللاجئون على أرض مصر".
تقليص معدلات الجريمة وتغيير الموروث الثقافي
يربط عبد الرازق مصطفى، المستشار القانوني والخبير الحقوقي، بين غياب المفوضية ومعدلات الجريمة، موضحاً: "الممارسات التمييزية، خاصة تلك الموجهة ضد المرأة، تبدأ بتمييز معنوي أو إقصائي، وإذا لم تجد رادعاً مؤسسياً، فإنها تتطور تلقائياً إلى جرائم جنائية واعتداءات عنيفة شهد المجتمع تكرارها مؤخراً. إنشاء المفوضية له علاقة طردية مباشرة بخفض معدل الجريمة، ونشر الوعي لتفكيك الموروثات الثقافية والاجتماعية التي تشرعن التمييز السلبي في قطاعات العمل والتعليم".
حماية النساء في بيئات العمل
وفي ذات السياق، تقول أسماء فتحي، مؤسسة مبادرة "مؤنث سالم": "انضمامنا لمجموعة العمل ينبع من رغبتنا في تحسين بيئة العمل للنساء، ومواجهة أشكال التمييز القائم على النوع الاجتماعي والعنف الموجه ضد العاملات والصحفيات. المفوضية ستمنح النساء مظلة آمنة وآليات تحقيق واضحة، والأهم هو وضع تعريف قانوني منضبط وجامع لما يشكل 'تمييزاً'، وهو ما ينهي التفاوت والظلم أثناء عمليات التفاوض مع أرباب العمل في القطاع الخاص، فضلاً عن وضع آليات صارمة لحماية الشهود والمبلغين في قضايا التحرش والتمييز المهني".
الاستحقاق ليس ترفاً بل ضرورة
يختتم التحقيق الحقوقي محمد عبد الرحيم، واصفاً المشهد بـ "التقصير الفاضح والانتهاك غير المبرر للواجب الدستوري"، ويضيف: "عشر سنوات من المماطلة الحكومية حولت الحق الأصيل للمواطنين إلى حلم معطل. المفوضية ليست ترفاً حقوقياً بل أداة لحفظ كرامة الإنسان وضمان سيادة القانون ومبدأ المساواة. لقد حان الوقت لتتكاتف كافة القوى الوطنية للضغط لبلورة هذا الاستحقاق؛ لتكون المفوضية ملاذاً آمناً ومنصة إنصاف للفئات المهمشة والأقليات، تكفل لهم مقاضاة منتهكي حقوقهم وتضمن لهم جبر الضرر الشامل".
واخيرًا: إن مرور عشر سنوات كاملة على إقرار وثيقة الدستور، دون إخراج مفوضية مناهضة التمييز إلى النور، لم يعد مجرد "تباطؤ تشريعي" يمكن تبريره، بل هو تعطيل صريح للعقد الاجتماعي الذي توافق عليه المصريون. إن صياغة نصوص دستورية براقة دون توفير آليات لتفعيلها يحولها إلى وعود حبر على ورق، ويسلب الفئات الأكثر ضعفاً وتهميشاً من حقها في الحماية والإنصاف. إن تأسيس هذه المفوضية، وبصلاحيات رقابية وإلزامية مستقلة تماماً، هو المحك الحقيقي لجدية الدولة في بناء "جمهورية جديدة" تؤمن بالمواطنة والعدالة والكرامة الإنسانية، كركائز أساسية للتنمية المستدامة، وليس كمجرد شعارات للاستهلاك الدولي. لقد حان وقت الكف عن سياسة المماطلة وانتظار القوانين الحكومية؛ فالعدالة المتأخرة هي عدالة غائبة!
“كاتبة وصحفية استقصائية مصرية، تشغل موقع مساعد رئيس تحرير جريدة ‘وطني’. تجمع مسيرتها المهنية الممتدة بين الإعلام البيئي (كباحثة دكتوراه في صحافة المناصرة وماجستير العلوم البيئية من جامعة عين شمس) والعمل الإنساني التمكيني (بكالوريوس العلاج النفسي والمشورة لضحايا الإيذاء الجنسي). شغلت سابقاً عضوية مجلس نقابة الصحفيين ورعاية صالون ‘المواطنة’، وتلتقي بقرائها دورياً عبر عمودها ‘جر شكل’.”