قطار "الروبيكي" يشق "العدلية" الرئة الخضراء للمنطقة.. وملاك الأرض يستغيثون بالرئيس- فيديو

تحقيق ميداني تكتبه : حنان فكري

خسائر فادحة لا يمكن تعويضها تلحق بالبشر والشجر والصادرات.. وغياب الحوار المجتمعي يهدد 850 فداناً من أجود الأراضي الزراعية

  • أحمد فريد أبو حديد: الأشجار رئة حقيقية تثبت الكربون وتنتج الأكسجين، وتعديل مسار القطار لعدة كيلومترات يحمي بيئتنا.
  • سمير مازن: الشكاوى وصلت لرئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء لتعديل المسار.. والقطار يهدد باقتلاع 53 ألف شجرة مثمرة.
  • منال العيسوي: نعبئ الانحياز الإيجابي لحماية الأرض كمورد طبيعي، ونستنكر غياب نواب الشعب عن نصرة المتضررين.
  • طارق نجيدة: القانون يكفل التعويض العادل والشامل عن الأصول وخسائر الدخل.. وللمتضررين الحق في الطعن القضائي.

في أرض "العدلية"، تتشابك الحكايات مع الأغصان المثمرة لتروي فصلاً جديداً من فصول الصراع بين خطط التنمية الصلبة وحقوق الإنسان البيئية والاجتماعية. هنا، للأرض لغة خاصة تربط أصحابها بتاريخ طويل من الجهد والعطاء بدأ منذ سبعينيات القرن الماضي، حينما خُصصت هذه المساحات لصالح "الجمعية التعاونية الزراعية لاستصلاح وتعمير وتنمية الأراضي بالعدلية". عقود من الشقاء قضاها المزارعون لتحويل الرمال إلى خضرة وثمار، ليصبح الحلم واقعاً ملموساً يصدر إنتاجه إلى الأسواق العالمية.

وفجأة، وجد أصحاب الأرض أنفسهم أمام مخطط يقتلع جزءاً من هويتهم، ويهدد خصوبة ما يتبقى من أراضيهم بقرارات تحمل ثقل القانون، لكنها تفتقر إلى روح العدالة. وإذا كان القانون يمنح الدولة حق نزع الملكية الخاصة للمنفعة العامة، فإن السؤال الجوهري هنا: كيف تُحسب معادلة الحقوق والتعويضات عندما تفوق الخسائر المادية والبيئية قيمة المشروع ذاته؟

هذا هو لسان حال المزارعين في قرية العدلية التابعة لمركز بلبيس بمحافظة الشرقية، جراء مشروع خط سكة حديد قطار البضائع (الروبيكي – العاشر من رمضان – بلبيس)، والمزمع تنفيذه بمحاذاة الطريق الإقليمي. يمر مسار هذا القطار بـ 86 قطعة أرض زراعية منتجة، تضم آلاف الأشجار المثمرة على مساحة إجمالية تقارب 850 فداناً، حيث قررت وزارة النقل انتزاع أجزاء من هذه الأراضي ليشق القطار مساره في عمق الحقول، مخلفاً وراءه أضراراً بيئية واجتماعية واقتصادية جسيمة تحول مصادر الرزق والحياة إلى بؤر للقهر والإحباط.

إنها ليست مجرد قصة أرض تُنتزع، بل أحلام تنكسر، وعائلات تواجه ضغوطاً نفسية واقتصادية غير مسبوقة؛ فتبوير الأرض واقتلاع أشجارها عملية جراحية قاسية تصيب نسيج المجتمع في مقتل وتشرد عمالة يومية بلا بديل. في هذا التحقيق الميداني، نغوص في أعماق الأزمة لنستمع إلى أصوات المتضررين ونحلل أبعاد المشهد قانونياً وبيئياً.

https://youtu.be/ufqnXLY4-Pc?feature=shared

أبو حديد: القطار يدمر رئة خضراء توازن انبعاثات الكربون

يشرح الدكتور أيمن فريد أبو حديد، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي الأسبق وأحد الملاك المتضررين بالجمعية، الأبعاد البيئية للأزمة قائلاً:

"أرض الجمعية مثمرة ويعيش عليها آلاف المستفيدين، والأهم أنها تمثل الرئة الخضراء الحقيقية للمنطقة التي تغذي الصحراء المحيطة بالأكسجين وتخلصها من الملوثات. علمياً، ينتج الفرد ما بين 4 إلى 7 كيلوغرامات من الكربون سنوياً، ولتعويض ذلك نحتاج لزراعة من 5 إلى 7 شجرات للحفاظ على التوازن البيئي، حيث تثبت الشجرة الواحدة حوالي 1.7 كيلوغرام من الكربون وتنتج 120 لتر أكسجين. فكيف نتخلص من آلاف الأشجار ونحرم المواطنين من هذه الرئة الطبيعية؟"

ويضيف أبو حديد مستنكراً: "فجأة، تلقينا إخطارات بنزع الملكية، ليتبين أنه تم إجراء جلسات التشاور المجتمعي حول دراسات الجدوى بشكل لاحق على إقرار المشروع! والمفترض علمياً وقانونياً أن يقول المجتمع رأيه قبل صياغة دراسات الجدوى لأنه جزء أصيل منها. كل هذا التدمير يتم من أجل خط قطار بضائع بالرغم من وجود مسار بديل متاح؛ إذ يوجد في مدينة العبور الجديدة مسار يخدم المجتمعات العمرانية الجديدة ويمر بالزقازيق الجديدة، فلماذا لا يُنقل الخط الحالي لعدة كيلومترات بسيطة في ظهير صحراوي؟ هذا التعديل لن يؤثر على كفاءة القطار اللوجيستية، بل سيحمي أرضاً زراعية لا تعوضها ملايين الجنيهات، خاصة وأن الملاك تم اقتطاع أجزاء من أراضيهم سابقاً عند تشييد الطريق الإقليمي".

تدمير 53 ألف شجرة مثمرة وتهديد الأمن الغذائي

من جانبه، يستعرض سمير مازن، مدير الجمعية التعاونية الزراعية بالعدلية، حجم الخسائر المباشرة وغير المباشرة بالأرقام، موضحاً أن المساحات المتأثرة مباشرة بمسار القطار تضم:

  • 51 فداناً من المانجو (بواقع 40 ألف شجرة سيتم اقتلاعها).
  • 15 فداناً من الموالح (بواقع 3 آلاف شجرة).
  • 7 أفدنة من العنب (بواقع 4 آلاف شجرة).
  • 14 فداناً من الخوخ والرمان (بواقع 9 آلاف شجرة).
  • 43 فداناً من زراعات الخضار المتنوعة.

ويشير مازن إلى أن الضرر غير المباشر يفوق هذه الأرقام؛ إذ إن الحيازات مقسمة إلى وحدات تبلغ مساحتها 8 أفدنة ونصف الفدان لكل مالك، وشق هذه الوحدة بنصفين يعني تدميرها جغرافياً وعدم القدرة على استغلال الباقي.

ويتابع: "تقدمت الجمعية بشكاوى رسمية عاجلة إلى رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء، ووزارة البيئة، تستعرض الآثار الاقتصادية والاجتماعية الكارثية للمشروع، وتطالب بالتدخل الفوري لتعديل مسار القطار الذي وصل حالياً إلى مسافة كيلومترين فقط من حدود مزارعنا. الشكوى ركزت على غياب الحوار المجتمعي الحقيقي، وفقدان الأسر لمصادر دخلها، وتدمير بنية ري متكاملة جراء سقوط (حقوق الارتفاق) التاريخية".

https://youtu.be/ZiesxziZnmY?feature=shared

معضلة "حقوق الارتفاق" وفصل شبكات الري

تعد "حقوق الارتفاق" من أهم المحددات القانونية والهندسية الغائبة عن دراسة جدوى المشروع. وحق الارتفاق في الأراضي الزراعية ينظم مجاري المياه، والشرب، والمسيل، والمرور.

ويوضح المهندس محمد بركة، أحد الملاك المتضررين، خطورة هذه النقطة قائلاً: "القطار سيشق شبكات الري المشتركة والممتدة بين المزارع. بمجرد تنفيذ المسار، ستنفصل خطوط المياه ومحطات الرفع التي أنفق المزارعون عليها ملايين الجنيهات، مما يؤدي تلقائياً إلى جفاف وتبوير آلاف الأفدنة الخلفية التي لن يمر بها القطار مباشرة لكن سيموت عنها شريان المياه، وإعادة تصميم شبكات ري منفصلة يتطلب تكاليف طائلة تفوق قدرة الفلاحين".

أبعاد الضرر: خسارة أصول التصدير وتشريد آلاف العمال

يتناول أحمد حميدة، عقيد شرطة سابق وأحد الملاك المتضررين، الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للأزمة، مؤكداً أن الأراضي الزراعية تمثل أصلاً استثمارياً وإرثاً للأجيال القادمة، وتدميرها يحرم العائلات من صمام أمانها الاقتصادي. ويلفت إلى أن الجمعية قدمت 3 مسارات بديلة لوزارة النقل تعتمد على استغلال المحاور الصحراوية القريبة أو الطريق الأوسطي، دون جدوى، مما دفع الملاك لرفع دعاوى قضائية أمام مجلس الدولة لطلب وقف التنفيذ وتعديل المسار.

وفي ذات السياق، يفجر محمد عبد الحميد، عضو الجمعية، قضية في غاية الخطورة تتعلق بتنافسية الصادرات المصرية، قائلاً:

"أغلب محاصيل أرض العدلية تُزرع وفقاً للاشتراطات الصارمة للاتحاد الأوروبي، وهي خالية تماماً من متبقيات المبيدات وبمواصفات جودة عالية جداً. تدمير هذه المزارع يعني فقدان الأسواق والعملاء الأجانب لصالح دول أخرى، فضلاً عن تشريد عمالة ضخمة؛ حيث يستوعب الفدان الواحد في المتوسط عمالة مباشرة وغير مباشرة، بمتوسط أجر يومي يبلغ 250 جنيهاً للعامل، فأين يذهب هؤلاء؟"

ويضيف عبد الحميد بمرارة: "المكتب الاستشاري للمشروع (محرم باخوم) أغفل عائقاً هندسياً كبيراً في المسار الحالي، وهو وجود محجر بالمحافظة يمتد على مساحة 70 فداناً وبعمق 75 متراً يقطع طريق القطار. عملية ردم هذا المحجر الهائل ودمك تربته ليتحمل اهتزازات قطارات البضائع ستتكلف مبالغ فلكية، وهي تكلفة إضافية تكشف بوضوح أن البحث عن مسار صحراوي بديل هو الخيار الأوفر للدولة والأرحم للبشر والشجر".

https://youtu.be/Jjib-tzpKts?feature=shared

نجيدة: القانون يضمن التعويض العادل والشامل ويسحب صك "المنفعة" المطلقة

من الناحية القانونية، يوضح المستشار طارق نجيدة، المحامي بالنقض، آليات تطبيق القانون رقم 10 لسنة 1990 بشأن نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة والمعدل بالقانون رقم 24 لسنة 2020، قائلاً: "يهدف القانون إلى تحقيق توازن دقيق بين مصلحة الدولة في تنفيذ المشروعات القومية وحقوق الأفراد الدستورية في التعويض العادل. المادة الثانية من القانون شملت مشروعات النقل والمواصلات ضمن أعمال المنفعة العامة، ولكن هذا لا يعني إهدار حقوق الملاك؛ إذ يفرض القانون تقييم التعويضات بالأسعار السائدة وقت صدور القرار مع إضافة 20% كتعويض عن النزع، وإيداع المبالغ في حساب بنكي يدر عائداً خلال 3 أشهر".

ويشدد نجيدة على نقطة جوهرية: "التعويض العادل لا يقتصر على ثمن متر الأرض فقط، بل يجب أن يشمل التعويض المعنوي، والتعويض عن خسائر الدخل المستقبلي، وقيمة البنية التحتية المتضررة مثل محطات الرفع وشبكات الري (حقوق الارتفاق). ويحق للملاك الطعن على قرارات التقدير أو الإجراءات أمام المحكمة المختصة خلال 60 يوماً من تاريخ الإخطار بالتعويض".

المجتمع المدني ينتفض.. وعتاب حاد لنواب البرلمان

في إطار الحوكمة البيئية وتطبيق أهداف رؤية مصر 2030، انتفضت "المؤسسة الخضراء لأصدقاء البيئة والتنمية المستدامة" لتوصيل صوت المتضررين والاضطلاع بدورها في تعبئة الانحياز الإيجابي لحماية الغطاء النباتي.

وتقول منال العيسوي، رئيسة مجلس أمناء المؤسسة: "الأرض مورد طبيعي محدود لا يمكن تعويضه. أغلب أصحاب هذه المزارع وصلوا لسن المعاش، ومنهم أرامل يرعين الأرض كأصل وحيد لمعيشتهن بعد أن قضين 40 عاماً في تحويل الصحراء إلى جنة خضراء. كل ما نطالب به وزارة النقل ومراجعة الاستشاريين هو زحزحة المسار لمسافة بسيطة لحماية هذه الحقوق المكتسبة والتقاء مصالح الدولة مع مصالح المواطنين".

وتوجه العيسوي انتقاداً لاذعاً لأداء البرلمان في هذه الأزمة، قائلة: "للأسف الشديد، غاب نواب المنطقة تماماً عن المشهد، ولم نجد منهم أي دعم أو تحرك برلماني لنصرة المتضررين أو إيصال صوتهم تحت قبة مجلس النواب، وكأنهم ممثلون لأنفسهم لا للشعب الذي انتخبهم".

التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية في مواجهة التبوير

تتعارض خطة تدمير مزارع العدلية مع ترسانة من القوانين المصرية والاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها مصر وتلتزم بمبادئها:كما تتعارض مع المبادئ التوجيهية بشأن النزوح الداخلي، فإذا أدى تبوير الأراضي إلى نزوح المجتمعات أو الأفراد، يجب أن تكون هناك حماية لحقوقهم وضمان عدم فقدانهم لمصادر رزقهم دون تعويض مناسب. وفقا لما يلي: 

القوانين المحلية: يمنع قانون حماية الأراضي الزراعية (رقم 53 لسنة 1966) وقانون الزراعة (رقم 116 لسنة 1983) التعدي على الرقعة الزراعية عالية الخصوبة، كما يلزم قانون البيئة (رقم 4 لسنة 1994) بإجراء تقييم شامل ومسبق للأثر البيئي والمشاركة المجتمعية قبل البدء في أي مشروع عملاق.

  1. اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (UNCCD): تشحن الجهود لمنع تدهور الأراضي الزراعية، وتعتبر تبويرها تهديداً مباشراً للأمن الغذائي.
  2. اتفاقية التنوع البيولوجي (CBD): تلزم الدول بحماية النظم البيئية وتقييم أثر المشاريع التنموية على التنوع البيولوجي المحيط.
  3. إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الفلاحين: يؤكد على حق المزارعين والعاملين في المناطق الريفية في الحفاظ على أراضيهم ومواردهم، وضمان حصولهم على تعويضات كافية وشاملة وخلق بدائل تضمن استمرار مصادر رزقهم.

خلاصة القول.. إن الأرض مورد طبيعي سيادي ومحدود، واقتلاع الأشجار المعمرة وهدم قلاع التصدير الزراعي من أجل مد قضبان السكك الحديدية يمثل مقايسة خاسرة بيئياً واقتصادياً واجتماعياً. إن استغاثة ملاك أرض "العدلية" المرفوعة إلى رئيس الجمهورية تطالب بقرار حكيم يعيد دراسة المسار الهندسي للمشروع، ليثبت أن التنمية الحقيقية هي تلك التي تسير جنباً إلى جنب مع حماية الإنسان وحفظ حقوقه في الشجر والعيش الكريم.

https://youtu.be/ufqnXLY4-Pc?feature=shared