زلزال عالمي.. حظر استخدام الأطفال والمراهقين لمنصات التواصل الاجتماعي واستراليا تقود ماراثون الحظر الرقمي

  • بقلم: نادر شكري
  • مصر ترفع الراية الحمراء لاستخدام الأطفال المنصات الرقمية بمشروع قانون في البرلمان.
  • إغلاق 4.7 مليون حساب لمن هم دون الـ 16 عاماً.
  • هل تمتثل شركات التكنولوجيا الكبرى أم تلجأ لـ "الاستدلال السلوكي" للالتفاف؟
  • غرامات بـ 33 مليون دولار تلاحق عمالقة "السوشيال ميديا" المخالفين لقانون حظر الأطفال.
  • ميتا توسّع إجراءات حماية المراهقين بالذكاء الاصطناعي وسط ضغوط عالمية متزايدة على منصات التواصل.

بدأت عدة دول إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين الأطفال والمراهقين ومنصات التواصل الاجتماعي، بعد تصاعد المخاوف من آثارها السلبية على الصحة النفسية، السلوك الاجتماعي، والتنمية المعرفية للأجيال الناشئة. وفي هذا السياق، تمثل الخطوة التي اتخذتها أستراليا بتطبيق قانون يمنع استخدام هذه المنصات لمن هم دون سن 16 عاماً اعتباراً من هذا العام 2026، تحولاً تشريعياً غير مسبوق يعكس اتجاهاً عالمياً متنامياً نحو فرض قيود أكثر صرامة على الوصول المبكر إلى العالم الرقمي.

ويأتي هذا القانون في إطار سياسة أوسع تستهدف الحد من تعرض الأطفال للمحتوى غير المناسب، ومواجهة تحديات مثل الإدمان الرقمي، التنمر الإلكتروني، والاستغلال عبر الإنترنت، في وقت أصبحت فيه منصات مثل فيسبوك، إنستغرام، تيك توك، ويوتيوب جزءاً أساسياً من حياة الأطفال اليومية. وقد دفعت هذه المخاطر المتزايدة الحكومات إلى تبني أدوات تنظيمية مباشرة، تتراوح بين تقييد الاستخدام وفرض آليات صارمة للتحقق من العمر، وصولاً إلى الحظر الكامل في بعض الحالات.

ولا تقتصر هذه التحولات على أستراليا وحدها التي كانت المبادرة لهذه الخطوة، بل تمتد الآن إلى موجة تشريعية عالمية متصاعدة تشمل دولاً في أوروبا، آسيا، وأمريكا اللاتينية، حيث تتجه العديد من الحكومات إلى رفع سن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، أو تقييد الميزات المصممة لتعزيز الاستخدام المستمر. ويعكس هذا التوجه تحولاً في فلسفة التعامل مع التكنولوجيا، من الاعتماد على التوعية الذاتية إلى التدخل التشريعي المباشر لحماية الفئات العمرية الأصغر.

وبينما تتباين الرؤى بين مؤيدين يرون في هذه القوانين حماية ضرورية للأطفال، ومعارضين يحذرون من قيود على حرية التعبير وصعوبات التنفيذ التقني، فإن الاتجاه العام يشير إلى مرحلة جديدة في إدارة الفضاء الرقمي، تُعيد فيها الدول تعريف حدود الانفتاح التكنولوجي بما يوازن بين الابتكار وحماية المجتمع، وخاصة الفئات الأكثر عرضة للتأثر.

أستراليا الأولى في حماية النشء

بعد مناقشات طويلة، نجحت أستراليا في إصدار تشريع في ديسمبر الماضي، لتطبيق قانون منع الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 16 عاماً من استخدام منصات التواصل الاجتماعي في سابقة عالمية؛ بهدف حماية المراهقين والأطفال من الآثار السلبية للاستخدام المُبكر لهذه المنصات. ويمنع القانون هذه المنصات، مثل فيسبوك، إنستجرام، وتيك توك، من إنشاء حسابات لمستخدمين دون السادسة عشرة، ويُلزمها بإغلاق الحسابات المفتوحة حالياً، وإلا ستواجه غرامات تصل إلى نحو 33 مليون دولار أمريكي.

وقال رئيس الوزراء الأسترالي، أنتوني ألبانيزي، إن الهدف من الحظر هو دعم الشباب الأسترالي وتخفيف الضغط الذي يمكن أن يتعرض له من البث والخوارزميات التي لا نهاية لها، موجهاً رسالته للنشء: "استفد إلى أقصى حد من العطلات المدرسية المقبلة؛ فبدلاً من أن تقضيها في تصفح هاتفك، ابدأ رياضة جديدة، تعلم آلة موسيقية جديدة، اقرأ ذلك الكتاب الموجود على الرف منذ فترة". وأردف قائلاً: "الأهم من ذلك، اقض وقتاً ممتعاً مع أصدقائك وعائلتك وجهاً لوجه".

بموجب القانون الأسترالي، تواجه شركات فيسبوك، إنستجرام، كيك، ريديت، سناب شات، ثريدز، تيك توك، إكس، يوتيوب، وتويتش غرامات طائلة إذا لم تتخذ خطوات معقولة لإزالة حسابات الأطفال الأستراليين الذين تقل أعمارهم عن 16 عاماً، بينما تُستثنى من ذلك خدمات المراسلة مثل واتساب وماسينجر.

التحقق من الهوية

يلزم القانون المنصات بطلب نسخ من وثائق الهوية، أو استخدام طرف ثالث لتطبيق تقنية تقدير العمر على وجه صاحب الحساب، أو استنتاج البيانات المتاحة بالفعل مثل مدة امتلاك الحساب. وبحسب جولي إنمان جرانت، مفوضة السلامة الإلكترونية في أستراليا، فإن هناك حوالي 2.5 مليون أسترالي تتراوح أعمارهم بين 8 و15 عاماً، وتشير التقديرات السابقة إلى أن 84% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و12 عاماً يمتلكون بالفعل حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي.

وبعد شهر واحد فقط من دخول القانون حيز التنفيذ في أستراليا، أزالت منصات التواصل الاجتماعي نحو 4.7 ملايين حساب لمراهقين تقل أعمارهم عن 16 عاماً. ويشمل الحظر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة من فيسبوك، إنستجرام، سناب شات، ثريدز، تيك توك، إكس، يوتيوب، وريديت، وكذلك منصات البث المباشر كيك وتويتش، ومع هذا هناك استثناءات؛ حيث ستظل مواقع أخرى مثل يوتيوب كيدز، وجوجل كلاس روم، وتطبيقات المراسلة ومنها واتساب، متاحة لمن هم أقل من 16 عاماً.

دوافع تطبيق القرار

جاء تطبيق قانون حظر استخدام الأطفال دون 16 عاماً لوسائل التواصل الاجتماعي في أستراليا ضمن سياقات محلية وعالمية دفعت لاتخاذ هذه الخطوة غير المسبوقة؛ حيث يشهد المجتمع الأسترالي انتشاراً واسعاً لاستخدام الأطفال للإنترنت ووسائل التواصل، ويمتلك معظم الأطفال أجهزة متصلة بالشبكة.

وقد أشار استطلاع رأي حديث أجرته مؤسسة السلامة الإلكترونية بأستراليا إلى استخدام منصات التواصل الاجتماعي وخدمات المراسلة من جانب 84% من الأطفال الأستراليين الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و12 عاماً. كما أشارت المؤسسة ذاتها إلى أن 96% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و15 عاماً استخدموا وسائل التواصل الاجتماعي، واستخدمت غالبيتهم (94%) منصة تواصل للدردشة أو المراسلة أو الاتصال الصوتي أو المرئي.

ويذهب رئيس الوزراء الأسترالي، أنتوني ألبانيز، إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تضر بأطفال بلاده وتؤثر فيهم سلباً. ولذا، فإن لجوء أستراليا إلى الإطار القانوني كآلية لمنع الأطفال من استخدام منصات التواصل الاجتماعي لم يأتِ من فراغ، وإنما جاء مدفوعاً بالعديد من العوامل والاعتبارات المتنوعة المحلية والعالمية، والتي تتبلور في الآتي:

  1. حماية الأطفال من المخاطر الإلكترونية: تسعى الحكومة الأسترالية من خلال هذا القانون إلى حماية الأطفال من مخاطر الإنترنت، خاصة التنمر والتحرش والاحتيال الإلكتروني، حيث تشير الإحصاءات إلى تعرض نسبة كبيرة من الأطفال لهذه المخاطر (52% للتنمر و24% للتحرش). كما يرتبط الإفراط في استخدام وسائل التواصل بمشكلات نفسية مثل الإدمان، المعلومات المضللة، وتشويه صورة الجسد. ويهدف القانون الذي أُقر عام 2024 إلى الحد من هذه الأضرار، رغم أن بعض الجهات مثل اليونيسف ترى أن الحل الأفضل هو تحسين أمان المنصات نفسها بدلاً من تأخير استخدامها.
  2. حماية حقوق الأطفال: يركز القانون أيضاً على ضمان حقوق الأطفال وتمكينهم من عيش طفولتهم بشكل طبيعي، مع تعزيز شعور الأمان لدى الأسر. وقد لاقى هذا التوجه دعماً من كثير من أولياء الأمور لما قد يحققه من تقليل الإدمان الرقمي ومخاطر المحتوى الضار مثل العنف والاستغلال الجنسي. كما يعكس القانون توجه أستراليا لمواجهة الجرائم الإلكترونية وتعزيز المسؤولية المشتركة بين الأهل وشركات التكنولوجيا.
  3. دعم الشباب وتخفيف الضغط: يهدف الحظر إلى دعم صحة الشباب النفسية من خلال تقليل الضغط الناتج عن الاستخدام المستمر لوسائل التواصل وخوارزمياتها اللانهائية.
  4. تنامي القلق العالمي من وسائل التواصل: يتزايد القلق عالمياً بشأن تأثير وسائل التواصل على الأطفال، مع وجود دعاوى قضائية مرفوعة ضد شركات كبرى مثل ميتا، تيك توك، سناب شات، وغوغل بسبب تأثيرها السلبي المباشر على الصحة النفسية.

دول أخرى تسير على خطى أستراليا

تشهد الساحة العالمية تحولاً جذرياً نحو تقييد وصول القاصرين إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث بدأت دول عديدة في سن تشريعات صارمة لمواجهة الآثار السلبية لهذه المنصات على الأطفال والمراهقين، عقب المبادرة الأسترالية:

  • فرنسا: أشارت صحيفة "لوموند" في تقرير لها، إلى أن الحكومة الفرنسية قررت فرض حظر على استخدام شبكات التواصل الاجتماعي من قبل القاصرين دون سن 15 عاماً، إلى جانب منع استخدام الهواتف المحمولة داخل المدارس الثانوية، وذلك ابتداءً من العام الدراسي المقبل في سبتمبر 2026. وأوضحت أن الحكومة سنت مشروع قانون مكون من مادتين لحماية المراهقين من المخاطر المتزايدة المرتبطة بالاستخدام المفرط للشاشات، ويتضمن حظر استخدام وسائل التواصل لمن هم دون الـ 15، وحظر الهواتف في المدارس الثانوية التي تضم طلاباً تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عاماً.
  • الاتحاد الأوروبي: دعا البرلمان الأوروبي إلى تحديد سن 16 عاماً كحد أدنى للتسجيل، مع توصية بسن 13 عاماً للوصول إلى منصات الفيديو.
  • الهند: بدأت بعض الولايات الهندية بالفعل في تعطيل حسابات الأطفال (دون سن 16 عاماً) تدريجياً على منصات شهيرة مثل تيك توك، فيسبوك، وإنستجرام.
  • ماليزيا: أعلنت عزمها تطبيق حظر رسمي على استخدام الأطفال للمنصات اعتباراً من عام 2026، واتخذت إجراءات تنظيمية جديدة تلزم المنصات بالحصول على تراخيص للحد من المحتوى الضار.
  • إندونيسيا: شرعت في تعطيل بعض حسابات الأطفال، وشمل ذلك منصات الألعاب التفاعلية مثل "روبلوكس".
  • النمسا: تعمل على إقرار مسودة تشريع قبل يونيو 2026 تمنع الأطفال دون سن 14 عاماً من استخدام وسائل التواصل.
  • بريطانيا: تدرس حظر استخدام المنصات لمن هم دون 16 عاماً، مع فرض قيود إضافية على برامج الذكاء الاصطناعي الموجهة للقصر.
  • البرازيل: يلزم قانون "الطفل والمراهق الرقمي" القاصرين دون 16 عاماً بربط حساباتهم بأولياء أمورهم، كما يحد من الميزات التي تسبب الإدمان مثل "التمرير اللانهائي".
  • دول أخرى: وضعت دول مثل إيطاليا، إسبانيا، النرويج، بولندا، الدنمارك، وألمانيا، تشريعات تحدد سن الاستخدام بين 13 و16 عاماً مع اشتراط موافقة الأهل والتحقق الصارم من العمر.

مشروع قانون مصري

تشهد الدول العربية نمواً كبيراً في استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث بلغ عدد مستخدمي الإنترنت نحو 348 مليون شخص (70.2% من السكان)، فيما وصل عدد مستخدمي منصات التواصل إلى 228 مليون مستخدم (46%). وتتصدر مصر الدول العربية في عدد المستخدمين بـ 50.7 مليون مستخدم، تليها العراق ثم السعودية.

وفي مصر، تم تقديم مشروع قانون بمجلس النواب المصري، يهدف إلى الحد من التطبيقات على المنصات للأطفال، وينظم استخدام الأطفال للهواتف وموقع التواصل، استجابةً لتوجيهات القيادة السياسية، بهدف الحد من مخاطر الاستخدام المفرط دون منع التكنولوجيا بالكامل.

وأوضح النائب أحمد بدوي، رئيس لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب، أن مشروع القانون يركز على تنظيم الاستخدام حسب المراحل العمرية، ومعالجة آثار مثل الإدمان الرقمي وضعف التحصيل الدراسي والتعرض لمحتوى ضار. كما تشمل المناقشات تحديد سن مناسبة لاستخدام وسائل التواصل، ووضع آليات رقابة فعالة ومسؤوليات واضحة لشركات الاتصالات والمنصات، مع تعزيز دور الأسرة في التوجيه والمتابعة.

آليات التطبيق المقترحة في مصر

لتنزيل هذه التوجهات التشريعية على أرض الواقع المصري، يناقش خبراء البرلمان والاتصالات تفعيل حزمة من الآليات التقنية والإدارية. ويأتي على رأس هذه الآليات إلزام شركات المحمول العاملة في السوق المصري بربط خطوط الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية برقم بطاقة الرقم القومي لولي الأمر في حال كان مستخدم الحساب قاصراً، مع تفعيل ميزات "التحكم العائلي" الإجبارية عند البيع.

كما تتضمن المقترحات إلزام منصات التواصل الاجتماعي العاملة في مصر بتوفير واجهات تسجيل خاصة تتطلب التحقق من الهوية عبر الربط ببوابة مصر الرقمية أو تصوير المستندات الرسمية لضمان عدم تجاوز السن القانونية المقررة، بالتوازي مع إطلاق وتطوير منصات تعليمية وترفيهية محلية آمنة وبديلة تابعة لوزارتي التربية والتعليم والشباب والرياضة لامتصاص الشغف الرقمي لدى النشء.

التحديات التشريعية والتقنية في الواقع المصري

رغم الوعي الرسمي والمجتمعي بضرورة الحظر، إلا أن تطبيق مثل هذا القانون في الواقع المصري يواجه تحديات معقدة؛ أبرزها الفجوة الرقمية الشاسعة بين الآباء والأبناء، حيث يمتلك الأطفال قدرات تقنية أعلى تتيح لهم الالتفاف على الحظر بسهولة باستخدام شبكات "الـ VPN" أو تزوير تواريخ الميلاد أثناء التدشين.

كما يبرز التحدي الاقتصادي والرقابي في انتشار الهواتف غير المسجلة ومحلات الصيانة اليدوية التي تتيح فتح الحسابات بعيداً عن الرقابة النظامية، فضلاً عن الصعوبات التي ستواجه الجهات التنفيذية في إجبار الشركات العالمية على الامتثال الكامل، نظراً لغياب مكاتب إقليمية ذات صلاحيات قانونية واسعة لبعض هذه المنصات داخل مصر، ناهيك عن المقاومة السلوكية والاجتماعية المتوقعة من مجتمع يرتبط فيه الاستهلاك الرقمي بالوجدان اليومي للمراهقين.

المشروع ما بين التطبيق والتحدي (عالمياً)

يرى الكثير من خبراء علم النفس أن إدمان الأجهزة الإلكترونية أصبح متأصلاً في المجتمعات ولدى شريحة كبيرة من المستخدمين خاصة المراهقين، وسيكون هناك تحايل على أية قرارات أو حظر، مهما كانت الإجراءات المتخذة.

وتتمثل السيناريوهات المتوقعة لتطبيق قانون حظر استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي في أستراليا في ثلاثة اتجاهات رئيسية؛ الأول هو نجاح التطبيق مدفوعاً بالدعم الحكومي والشعبي الكبير، والتزام الشركات باستخدام تقنيات التحقق من العمر، مما قد يجعل التجربة الأسترالية نموذجاً عالمياً يُحتذى به. أما السيناريو الثاني فيتمثل في صعوبة التنفيذ، بسبب تحديات تقنية وسلوكية مثل التحايل على الحظر، وضعف التزام بعض الشركات التي قد تلتف حول القرار أو تتهرب منه بتطبيقات أخرى، والانتقادات المتعلقة بالخصوصية وحرية التعبير، إضافة إلى مخاوف من انتقال الأطفال إلى منصات وتطبيقات مظلمة وغير آمنة أو استخدام وسائل التفاف مثل VPN.

أما السيناريو الثالث فيتعلق باحتمال انتشار التجربة عالمياً، حيث قد تتجه دول عديدة لتبني تشريعات مشابهة في ظل تزايد القلق من تأثير وسائل التواصل على الأطفال. ومع ذلك، من المتوقع أن تواجه هذه القوانين تحديات جمة في التطبيق، مما يستدعي تقييمها بشكل مستمر واتباع نهج تدريجي قائم على التجربة والتعديل، مع اختلاف آليات التنفيذ من دولة لأخرى وفق ظروفها الخاصة.

هل تمتثل الشركات؟

على الرغم من أن الحظر يشمل 10 منصات في البداية، قالت الحكومة الأسترالية إن القائمة ستتغير مع ظهور منتجات جديدة وتوجه المستخدمين الشباب إلى بدائل. ومن بين المنصات العشر الأولى، أعلنت جميعها، باستثناء شركة "إكس" التابعة لإيلون ماسك، أنها ستمتثل للقرار باستخدام "استدلال العمر" -أي تخمين عمر المستخدم من خلال نمط نشاطه على الإنترنت- أو تقنيات تقدير العمر التي تعتمد عادةً على مسح الوجه عبر الكاميرا (صورة شخصية)، كما قد تحقق المنصات من وثائق الهوية التي يمكن تحميلها أو تفاصيل الحساب المصرفي المرتبط.

أما بالنسبة لشركات التواصل الاجتماعي، فيُمثّل تنفيذ هذا الحظر بداية عصر جديد من الركود الهيكلي، إذ تظهر الدراسات أن أعداد المستخدمين أصبحت شبه ثابتة، وأن الوقت الذي يقضونه على المنصات في انكماش مستمر، وتقول المنصات إنها لا تُحقق أرباحاً كبيرة من عرض الإعلانات لمن هم دون سن السادسة عشرة.

ميتا توسّع إجراءات حماية المراهقين

قالت شركة ميتا، عملاق التكنولوجيا الأميركي، إنها ستوسع نطاق تقنيات حماية حسابات المراهقين لتشمل 27 دولة في الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى تطبيق فيسبوك في الولايات المتحدة، وذلك في محاولة منها لدرء الانتقادات الموجهة لجهودها في حماية المراهقين على الإنترنت.

وتواجه شركات التكنولوجيا ضغوطاً متزايدة حول العالم لتطوير آليات حقيقية للتحقق من العمر، وسط مخاوف متصاعدة بشأن إساءة الاستخدام عبر الإنترنت، تدهور الصحة النفسية للمراهقين، وانتشار الصور الجنسية للأطفال المُولّدة بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي. وأوضحت الشركة أيضاً أنها تعتمد حالياً على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة لاكتشاف الحسابات التي تخص قاصرين، بما يتجاوز مجرد الاعتماد التقليدي على تاريخ الميلاد المعلن من قِبل المستخدم.

 السياسات الرقمية والتعليمية

إن مواجهة الطغيان الرقمي وخطر الخوارزميات على العقل المصري الناشئ يستدعي إطلاق مناشدة وطنية عاجلة لصناع القرار والسياسات في مصر؛ بضرورة الإسراع في وتيرة إقرار تشريع حظر الحسابات دون الـ 16 عاماً، بالتوازي مع إحداث ثورة في سياسات وزارتي التربية والتعليم والثقافة. حماية للصحة النفسية للنشء

إننا نناشد الحكومة المصرية ألا تكتفي بالمنع التشريعي الجاف، بل يجب إعادة صياغة المناهج المدرسية لتتضمن مواد إجبارية حول "الوعي الرقمي والأمان السيبراني"، مع إحياء الأنشطة المدرسية الميدانية والمكتبية والرياضية التي تجذب الطفل مجدداً إلى الواقع الملموس.

كما نطالب بفرض سياسات صارمة على شركات التكنولوجيا والاتصالات العاملة في مصر لإجبارها على الامتثال للمعايير الأخلاقية الوطنية، ووقف خوارزميات "التمرير اللانهائي" الموجهة للجغرافيا المصرية، حمايةً للأمن القومي الفكري والتربوي لأجيال الغد.

الأمل لحماية الأطفال

تُمثل المبادرة الأسترالية وما تبعها من حراك دولي نقطة تحول تاريخية في فلسفة إدارة الفضاء الرقمي؛ فقد انتقل العالم من مرحلة "التوعية الاختيارية" للأهل إلى مرحلة "الحماية التشريعية الإلزامية"، واضعاً مصلحة الطفل النفسية والمعرفية فوق المصالح التجارية لشركات التكنولوجيا الكبرى.

ورغم التحديات التقنية المتعلقة بالتحقق من الهوية ومخاوف الالتفاف على القانون، إلا أن الرسالة العالمية باتت واضحة وحاسمة: استعادة الطفولة من براثن الخوارزميات لم تعد رفاهية، بل ضرورة أمنية ومجتمعية حتمية. وستظل السنوات القليلة القادمة هي الاختبار الحقيقي لمدى قدرة هذه القوانين على الصمود أمام التطور التكنولوجي المتسارع، ومدى امتثال عمالقة "وادي السيليكون" لهذا العهد التشريعي الجديد.

استطلاع رأي

قرارات الاستبعاد من الدعم .. هل تعكس معايير الحذف الأخيرة من بطاقات التموين (امتلاك سيارة أو المدارس الخاصة) الأوضاعة الاقتصادية الحقيقية للأسر المصرية؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

قصص لابد من قراءتها

حنان فكري
رئيس التحرير

“كاتبة وصحفية استقصائية مصرية، تشغل موقع مساعد رئيس تحرير جريدة ‘وطني’. تجمع مسيرتها المهنية الممتدة بين الإعلام البيئي (كباحثة دكتوراه في صحافة المناصرة وماجستير العلوم البيئية من جامعة عين شمس) والعمل الإنساني التمكيني (بكالوريوس العلاج النفسي والمشورة لضحايا الإيذاء الجنسي). شغلت سابقاً عضوية مجلس نقابة الصحفيين ورعاية صالون ‘المواطنة’، وتلتقي بقرائها دورياً عبر عمودها ‘جر شكل’.”

شارك بقصتك

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x