تفكيك منصات النفط في البحر المتوسط ..معركة خفية مع التلوث وإيقاف التشغيل إجراء معقد

حنان فكري

البحر المتوسط .. ليس مجرد ممر مائي أو حوض ثروات، بل هو شريان حياة بيئي وحضاري لأكثر من عشرين دولة. واليوم، تقف هذه الهشاشة البيئية أمام اختبار حاسم؛ فبينما تتوسع أنشطة استكشاف النفط والغاز، يبرز التحدي الأكبر ليس في الاستخراج، بل في "الإرث" الذي تتركه هذه الصناعة خلفها. إن منع تلوث البحر المتوسط يتطلب اليوم تجاوز مرحلة "إدارة الكوارث" إلى مرحلة "فرض الاستدامة"، وأحد أهم معاركها الخفية هي "تفكيك المنصات البحرية". إننا بحاجة إلى التزام قاطع بتحويل نهاية تشغيل هذه الهياكل الضخمة من مصادر تلوث محتمل مؤبد إلى فرص للحياة البحرية والاقتصاد الدائري، لضمان مستقبل نظيف لبحرنا. والاقتصاد الدائري هو نموذج اقتصادي يستهدف القضاء على الهدر والتلوث عبر إعادة تدوير واستخدام المنتجات والمواد لأطول فترة ممكنة بدلاً من التخلص منها كنفايات، حماية للموارد الطبيعية وللفئات التي تحصل أرزاقها من الأنشطة البحرية.

يشهد البحر المتوسط ضغوطاً بيئية متصاعدة مع توسع عمليات تشغيل منشآت ومنصات النفط والغاز في مياهه، وامتدادها عبر الحقول البحرية المشتركة. فمع كل بئر جديدة تُفتح، تتزايد مخاطر التسربات الهيدروكربونية، والانبعاثات الغازية، وتراكم الملوثات الثقيلة في المياه العميقة؛ مما يهدد النظم البيئية الحساسة ويضع الثروات البحرية— من الشعاب المرجانية حتى المخزون السمكي— أمام موجة تدهور قد يصعب عكسها. وبينما تسعى دول الإقليم لتعظيم عوائد الطاقة، تتصاعد الدعوات فرض رقابة صارمة وتطبيق معايير سلامة أشد صرامة لاحتواء تأثيرات الصناعة على واحد من أكثر بحار العالم هشاشة.

التعاون الإقليمي: جدار حماية 

وإدراكاً لخطورة هذا الأمر، كان لسبل مواجهته نصيب كبير من جلسات المؤتمر الرابع والعشرين لاتفاقية برشلونة لحماية البحر المتوسط. ومن بينها، جلسة عقدت تحت عنوان "التعاون الإقليمي لمنع التلوث الناجم عن السفن في البحر المتوسط".

خلال هذه الجلسة، استعرض إيفان ساموت، مدير المركز الإقليمي للاستجابة لحالات الطوارئ المتعلقة بالتلوث البحري في البحر الأبيض المتوسط ومقره إيطاليا (REMPEC)، نتائج عدد من الدراسات التي ركزت على تعزيز الرقابة والاستجابة للحوادث البحرية، مؤكداً دعم الحكومة الإيطالية لأطر التعاون من خلال اتفاقية برشلونة. وأوضح ساموت التزام إيطاليا بالمعايير الدولية وتحسين وقود السفن للحد من الانبعاثات الضارة وتحسين جودة الهواء، مشدداً على أهمية مراعاة شركات الشحن لإجراءات السلامة للحفاظ على البيئة البحرية.

الحلول الدائرية

وفي سياق متصل بوقف تلوث المنصات حتى بعد انتهائها، تناولت الجلسة الثالثة عرضاً لعمليات "إيقاف تشغيل منشآت ومنصات النفط والغاز"، قدمه كارلوس هينريك فريدريك، ممثل الرابطة الدولية لمنتجي النفط والغاز (IOGP).

وأكد فريدريك أن عملية إيقاف التشغيل معقدة ومتعددة الخطوات، تتطلب امتثالاً صارماً للأطر التشريعية والضمانات البيئية. وأشار إلى أن "الفرص الدائرية" ضرورية لإعادة توظيف الأصول البحرية. و"الفرص الدائرية" مصطلح مرتب بـ الاقتصاد الدائري، ويعني ببساطة استغلال الأصول أو الموارد بعد انتهاء عمرها التشغيلي بدلاً التخلص منها نهائياً، بهدف تقليل الأثر البيئي وزيادة القيمة الاقتصادية.

وأوضح ممثل IOGP أن نهج "إعادة الاستخدام" و"إعادة التدوير" يُطيل عمر الأصول، ويُقلل من البصمة الكربونية، ويُعزز كفاءة استخدام الموارد، مما يمنع تحول هذه المنصات إلى ملوثات مهجورة قبالة السواحل.

وهنا تبرز قيمة الحلول الدائرية، إذ يرتبط الاقتصاد الدائري ارتباطاً وثيقاً بـ العدالة البيئية والاجتماعية؛ فمنع تلوث البحر المتوسط عبر إعادة تدوير منصات النفط لا يحمي الطبيعة فحسب، بل يحمي أرزاق وصحة الفئات الأكثر هشاشة. وتتجلى هذه العلاقة في كون التلوث البحري يضرب مباشرة قطاعي "الصيد والسياحة الساحلية"، وهما مصدرا الرزق الأساسيان لملايين الأسر التي تعيش تحت خط الفقر (والذي يُعرف عجزاً في تلبية الاحتياجات الأساسية كالغذاء والمسكن). 

وحين تتدهور البيئة البحرية، تتقلص هذه الأرزاق وتتأثر الصحة العامة (وهي حالة العافية البدنية والعقلية الكاملة) نتيجة تناول مأكولات بحرية ملوثة بالمعادن الثقيلة أو استنشاق انبعاثات سامة، وهو ما يقع عبئه الأكبر على الفقراء الذين لا يملكون رفاهية الرعاية الصحية الكاملة. لذا، فإن تبني الحلول الدائرية هو تطبيق عملي لـ العدالة (بمفهومها الشامل القائم على التوزيع المنصف للموارد والفرص والحماية البيئية)، حيث يضمن صون صحة المجتمع واستدامة مصادر دخله بعيداً عن تغول الملوثات.

الحاجة لتدخل دولي حازم

لذلك فإن الدعوة لاعتماد حلول دائرية في التفكيك ليست ترفاً، بل هي ضرورة أكدتها تقارير دولية ومحلية ترصد تفاقم مخاطر التلوث الناتج عن الهياكل المهجورة.وفي هذا السياق، حذر تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة(UNEP) لعام 2023 حول حالة البحر المتوسط من أن "المئات من منصات النفط والغاز البحرية في المتوسط تقترب من نهاية عمرها الافتراضي"، مشيراً إلى أن "تأخير التفكيك أو إجرائه دون ضمانات بيئية صارمة يهدد بإطلاق آلاف الأطنان من المواد السامة والمقذوفات النفطية المخزنة في الهياكل السفلية، مما قد يؤدي إلى تلوث طويل الأمد للمياه والترسبة يؤثر على التنوع البيولوجي وصحة الإنسان".

(المصدر: "حالة البيئة والتنمية في البحر الأبيض المتوسط"، برنامج الأمم المتحدة للبيئة/خطة العمل من أجل البحر المتوسط، 2023).