
إعداد: حنان فكري -
تواصل فيه محافظة الإسكندرية حملاتها المكبرة –بالتنسيق مع شركة "نهضة مصر للخدمات البيئية"– لمواجهة ظاهرة "الفريزة والنباشين" داخل الكتل السكنية، حيث أسفرت الحملات الأخيرة في أحياء وسط وغرب والعجمي عن رفع أطنان من نواتج الفرز العشوائي وإزالة التعديات، تبرز تساؤلات جوهرية حول الوجه الآخر لهذه القضية: كيف نوازن بين "حق المجتمع" في النظافة والحضارة، وبين "حياة" آلاف المهمشين الذين دفعهم الفقر للعمل في هذه المهن الشاقة والمخاطر البيئية؟
حملات على الفريزة
أكد المهندس أيمن عطية، محافظ الإسكندرية، أن هذه الحملات ليست مجرد إجراء مؤقت، بل استراتيجية مستمرة لإنهاء الممارسات العشوائية. وشدد المحافظ على أن "لا تهاون مع المخالفين"، مشيراً إلى أن الهدف الأسمى هو الحفاظ على المظهر الحضاري والصحة العامة. هذه التحركات الميدانية التي تفتح الطرق المغلقة وتزيل بؤر التلوث تمثل خطوة ضرورية لحماية البيئة الحضرية، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن حجم العشوائية التي أفرزها الفقر في أزمنة الحرمان.
الفريزة.. أزمة تتجاوز النبش
من جهة أخرى لا يمكن حصر التعامل مع "النباشين" والعمالة غير الرسمية في قطاع الفرز، في الإجراءات الأمنية وحدها. إذ يؤكد خبراء علم الاجتماع ان هؤلاء المهمشين في منظومة عمل رسمية ومنظمة، بدلاً من تركهم فريسة للإجراءات القانونية التي قد تزيد من أزماتهم.
ومنذ عقود تحولت ظاهرة "النبش" من "حاجة ماسة" إلى "سوق عمل منظم وغير رسمي"، وذلك بناءً على القيمة الاقتصادية، حيث يشير الرصد الميداني لأسواق الخردة إلى أن طن خردة النحاس قد يصل سعره إلى 250 ألف جنيه، والكرتون إلى 9000 جنيه. هذه الأرقام تعني أن "النبش" أصبح نشاطاً تجارياً مربحاً وليس مجرد وسيلة لجمع القوت اليومي.
وهناك فرق شاسع بين (جامع القمامة البسيط) وبين (ملاك مراكز الفرز والكبس غير المرخصة) الذين يديرون بؤراً لتحقيق أرباح ضخمة، وهذا هو الجزء الذي يستوجب "الضبط القانوني" فلا يمكن توقيع القانون على النباشين الصغار الذين تدفعهم الحاجة للعمل في هذا المجال، بينما يظل التحار الكبار بلا رادع.
إن التمييز بين 'المحتاج' و'المستثمر' في قطاع تدوير المخلفات هو مفتاح الحل. فبينما يمارس الآلاف هذه المهنة كضرورة اقتصادية للبقاء (تحت مظلة الاقتصاد غير الرسمي)، يمثل آخرون حلقة في سلسلة تجارية تدر أرباحاً طائلة بعيداً عن أعين الرقابة البيئية. بالرغم من أن تقرير وزارة البيئة حول الإدارة المتكاملة للمخلفات: (يؤكد على دمج القطاع غير الرسمي في المنظومة الرسمية).
كما يؤكد دليل الوكالة الأمريكية (EPA) حول إعادة التدوير غير الرسمي. أن عمال القطاع غير الرسمي (النباشين) يقدمون "خدمة بيئية" غير مقصودة عبر استرداد المواد، وأن أفضل الممارسات عالمياً هي "الدمج" وليس "المطاردة".ويمثلون جزءاً من حل بيئي غير رسمي. لذا، فإن السياسات الناجحة هي التي تشرك هؤلاء الأفراد عبر جمعيات تعاونية أو عقود مع شركات النظافة، مما يحولهم من 'بؤر عشوائية' إلى 'أطراف فاعلة' في دورة التدوير."
لذا، فإن حملات محافظة الإسكندرية لضبط 'الفريزة' يجب أن تتوجه للتجار ومراكز الفرز، كإجراء تنظيمي ضروري لتقنين قطاعٍ حيوي. فالدولة –من خلال قانون تنظيم المخلفات 202 لسنة 2020– باتت تفتح باب التراخيص الرسمية، وهو ما يفرض على العاملين في هذا القطاع التحول من 'بؤر عشوائية' إلى 'كيانات تجارية مرخصة' تخضع للرقابة الصحية والبيئية، بدلاً من العمل في الخفاء، وهو ما يضمن للمجتمع نظافة الشوارع، وللعاملين حقوقاً قانونية."


