الغـذاء المغـشوش.. ســمــوم عـلى مــوائــد المصـرييـن وتجـارة أرباحها من صحـة المواطـنيـن

تـحـقـيـق:حنان فكري-  مـريـم عـدلـى – كـليـر صـدقـى

كوب عصير يبدو طبيعيًا، وقطعة لحم تحمل مظهرًا شهيًا، ومنتج غذائي يحمل علامة تجارية معروفة... مشاهد يومية تمر أمام المستهلك دون أن تثير الشك، لكنها قد تخفي وراءها ممارسات غش غذائي خطيرة تتحول في بعض الأحيان إلى تهديد مباشر للصحة العامة.

فلم تعد جرائم الغش الغذائي مجرد مخالفات تجارية تهدف إلى تحقيق مكاسب غير مشروعة، بل أصبحت قضية تمس سلامة المواطنين وأمنهم الغذائي، في ظل تزايد الوقائع التي تكشف عن تداول منتجات ومشروبات تحتوي على مواد غير مصرح بها أو منتهية الصلاحية، أو منتجات جرى التلاعب بمكوناتها بهدف خفض التكلفة وتحقيق أرباح أكبر.

من السوق الى المشفى

لم تكن س، ا، ج تتوقع أن تتحول وجبة اشترتها من أحد منافذ البيع إلى بداية رحلة طويلة مع الخوف والمرض. تقول وهي تستعيد تفاصيل الواقعة: " اشتريت وجبة ساخنة من احدى المحال، كنت جائعة للغاية لم اميز طعمًا غريبًا، ولا رائحة كريهة، بعد ان تناولتها بساعتين تقريبًا بدأت تقلصات شديدة في بطني، وكنت اتصبب عرقًا، أشعر بميل للغثيان، ومغص شديد، ثم ارتفعت درجة حراراتي، وصاحب ذلك اسهال عنيف بعد عدة ساعات، ظللت هكذا ليومين علني اشفى بالادوية المتعارف عليها، لكن لم يحدث اصابني هزال شديد، توجهت لأقرب مشفى، وهناك تناولت محلول معالجة الجفاف للكبار، والمفاجأة ان هذا الظرف أقعدني عن الذهاب لمقابلة عمل كنت ساتسلمه في اليوم التالي لكن قدر الله وما شاء فعل.

اما والدة الطفل أ، م، ع، فتقول: ذهبنا لنزهة مسائية وبعد نصف ساعة بدأ ابني في نوبة من القىء المتواصل، حتى المياه لم يحتمل تناولها، لم أعرف من أي طعام اصيب بالتلوث، ولا اتذكر سوى أنه تناول كيس من مغلفات البطاطس الجاهزة، استمر الأمر أربع ساعات  متواصلة مما اضطرنا لنقله الى المستشفى لينتهي الأمر به داخل المستشفى. يقول والده: بالنسبة للأسرة، لم تكن القضية مجرد حالة تسمم، بل فقدان للثقة في المنتجات التي يفترض أن تكون آمنة.

البائع الأمين

صاحب محل بقالة رفض ذكر اسمه ، يقول: منذ أكثر من عشرين عامًا، ارفض شراء منتجات مجهولة المصدر رغم فارق السعر. افضل الربح الأقل، على أن أبيع شيئًا قد يضر الناس. ويؤكد أن بعض الموزعين يعرضون منتجات تقل أسعارها كثيرًا عن السوق، وهو ما يثير الشكوك حول مصدرها وجودتها.

الغش مستمر رغم التفتيش

مع تطور أساليب التحايل وتنوع صور الغش، تتواصل جهود الجهات الرقابية عبر حملات تفتيشية وتحليل مئات الآلاف من العينات سنويًا لضبط المخالفات وحماية المستهلك، إلا أن استمرار ضبط منتجات غير مطابقة للمواصفات يكشف عن تحديات قائمة في مواجهة هذه الظاهرة، ويطرح تساؤلات حول قدرة المنظومة الرقابية على الوصول إلى جميع حلقات الإنتاج والتداول.

وبين تحذيرات الخبراء من خطورة بعض الممارسات التي تهدد صحة المواطنين، ومطالبات برلمانية بتشديد العقوبات على المتورطين، يبقى السؤال قائمًا: هل تكفي الإجراءات الحالية لإغلاق منافذ المنتجات المغشوشة ومنع وصولها إلى موائد المصريين؟.

"مائدة الفقراء" في مرمى الخطر

لا يتوزع خطر الغش الغذائي بالتساوي بين جميع فئات المجتمع؛ فالفئات الأكثر احتياجًا غالبًا ما تكون الأكثر تعرضًا لمخاطره، نتيجة اضطرار بعض الأسر محدودة الدخل إلى البحث عن منتجات أقل سعرًا دون قدرة كافية على التحقق من مصدرها أو جودة مكوناتها.

وتشير التقارير الميدانية الصادرة عن جهاز حماية المستهلك إلى أن السلع مجهولة المصدر أو منخفضة السعر تمثل أحد منافذ انتشار المنتجات غير الآمنة، حيث يستغل بعض المتلاعبين الظروف الاقتصادية للمستهلكين لطرح منتجات أقل جودة أو غير مطابقة للمواصفات.

وتجسد شهادات الأسواق الشعبية هذا الواقع؛ حيث تقول "س. أ. ج"، بائعة متجولة في إحدى المناطق العشوائية: "نحن نرى أحيانًا منتجات بأسعار منخفضة، ونعلم أنها ليست أصلية، لكننا لا نملك بدائل أخرى، ونضطر لشرائها لإطعام أطفالنا".

وتكشف هذه الشهادة عن جانب آخر من القضية؛ فالغش الغذائي لا يرتبط فقط بمخالفة قانونية أو خسارة اقتصادية، بل يمس حق المواطن في الحصول على غذاء آمن، خاصة عندما تكون الخيارات محدودة أمام الأسر الأكثر احتياجًا.

ويحذر المتخصصون من أن خفض تكلفة الإنتاج على حساب الجودة قد يؤدي إلى استخدام خامات أو بدائل غير مطابقة، وهو ما يجعل حماية الفئات الهشة من المنتجات المغشوشة جزءًا من مسؤولية حماية الصحة العامة وتحقيق العدالة في الوصول إلى الغذاء الآمن.

استنساخ العلامات التجارية

لا تقتصر صور الغش الغذائي على استخدام مواد غير مطابقة للمواصفات، بل تمتد إلى استغلال شهرة العلامات التجارية المعروفة عبر تقليدها وطرح منتجات منخفضة الجودة داخل عبوات تحمل أسماء تجارية يثق بها المستهلك. في هذا السياق أشارهشام الدجوي، رئيس شعبة المواد الغذائية بالغرفة التجارية، إلى أن بعض المتلاعبين يلجأون إلى تجهيز وتغليف السلع في أماكن غير مرخصة، باستخدام معدات وطرق تهدف إلى محاكاة المنتجات الأصلية، ثم توزيعها من خلال أشخاص ينتحلون صفة مندوبي الجملة، مستهدفين منافذ البيع الصغيرة في المناطق الشعبية.

وأوضح  الدجوي أن هذه الممارسات تطال عددًا من السلع الغذائية، من بينها الشاي والقهوة والزيوت وغيرها، حيث يتم طرحها بأسعار أقل من المنتجات الأصلية بهدف جذب المستهلك وتحقيق أرباح كبيرة على حساب الجودة والسلامة.

وأوضح أن التشريعات المصرية تتضمن عقوبات على جرائم الغش التجاري والغذائي، حيث نص قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018 على عقوبات تصل إلى السجن والغرامات الكبيرة في الحالات التي ينتج عنها أضرار جسيمة للمستهلك، كما يعاقب قانون مكافحة الغش التجاري وقانون العقوبات تداول السلع الفاسدة أو غير الصالحة للاستهلاك.

غش اللحوم

وبالرغم من ان الواقعة التي فجرت القضية تتعلق بمبيضات عصير القصب، إلا انها فتحت ملف الغش كاملًا، لذلك تطرق الدكتور عاصم أنور أبو عرب، أستاذ سموم وملوثات الغذاء بالمركز القومي للبحوث، الى غش اللحوم مؤكدًا أنه يمثل أحد أخطر صور الغش الغذائي بسبب ارتباطه المباشر بصحة المستهلك وسلامة الغذاء. موضحًا أن عمليات الغش تتم بطرق متعددة، تستهدف تغيير طبيعة المنتج أو إخفاء حقيقته، سواء بإضافة مواد غير مطابقة للمواصفات أو استبدال نوع اللحوم المعلن عنه ببدائل أقل جودة بهدف تقليل التكلفة وتحقيق مكاسب غير مشروعة.

وأشار إلى أن اللحوم المفرومة تعد من أكثر المنتجات عرضة للغش، إذ يمكن خلطها بلحوم غير مصرح باستخدامها أو لحوم مجمدة منتهية الصلاحية، إضافة إلى استخدام الغضاريف والأربطة وأجزاء منخفضة الجودة لزيادة الكمية وتقليل التكلفة.

وأضاف أن بعض المخالفين قد يلجأون إلى استخدام لحوم متحللة أو رديئة مع محاولة إخفاء تغيراتها الطبيعية من خلال إضافة التوابل والمنكهات والمواد المحسنة للطعم والرائحة، بما يصعب على المستهلك اكتشافها أثناء الشراء.

وأوضح أن استخدام بعض المواد الحافظة أو المركبات الكيميائية غير المطابقة للاشتراطات الصحية بهدف إطالة مدة الصلاحية أو تحسين المظهر الخارجي للحوم يمثل خطرًا إضافيًا على صحة المستهلكين.

ولفت إلى أن بعض الحالات قد تشهد بيع أنواع أخرى من اللحوم على أنها لحوم بقرية أو جاموسية، وهو أمر يصعب على المستهلك اكتشافه بالعين المجردة، مؤكدًا أن الفحص المعملي المتخصص يظل الوسيلة الأكثر دقة للكشف عن أنواع الغش المختلفة وضمان سلامة المنتجات الغذائية المتداولة في الأسواق

ضعف الرقابة

أكد الدكتور محمود فؤاد، المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء، أن الأسواق المصرية لا تزال تواجه تحديات مرتبطة بالغش التجاري وضعف الرقابة على بعض المنتجات الغذائية منخفضة الجودة، محذرًا من تداول مكونات وإضافات غذائية أثيرت حولها مخاوف صحية خلال السنوات الماضية.

وأوضح أن المركز سبق أن حذر من استخدام بعض الإضافات الغذائية المثيرة للجدل، مطالبًا بتشديد الرقابة على المنتجات المتداولة، خاصة مع لجوء بعض المنتجين والتجار إلى خفض جودة المنتجات أو استخدام مكونات مجهولة المصدر بهدف تقليل التكلفة وزيادة الأرباح.

وأشار إلى أن انتشار المنتجات الغذائية منخفضة السعر بصورة تثير الشكوك يستوجب إخضاعها للفحص المستمر، ومواجهة ظاهرة تصنيع الأغذية في أماكن غير مرخصة أو خلط مكوناتها، لما تمثله من مخاطر على صحة المستهلكين واحتمالات التسبب في حالات تسمم غذائي.

وطالب بإصدار تشريعات أكثر صرامة لضبط الأسواق، وإلزام الشركات بالإفصاح الواضح عن مكونات منتجاتها، بما يساعد المستهلك على اتخاذ قرارات شراء واعية، إلى جانب تكثيف الحملات الرقابية على المصانع والمحال غير المرخصة، وسرعة الفصل في قضايا الغش الغذائي لتحقيق الردع العام. مؤكدًا أن الرقابة على الغذاء لا تقل أهمية عن الرقابة على الدواء، بل ترتبط بصورة مباشرة بالصحة العامة، نظرًا لأن الغذاء احتياج يومي لجميع المواطنين.

وأشار إلى أن الجدل حول تداخل الاختصاصات بين الجهات الرقابية يمثل أحد التحديات التي تحتاج إلى حسم تشريعي وإداري، بما يضمن وضوح المسؤوليات وتجنب ازدواجية الأدوار، والاستفادة من الإمكانات الفنية والمعامل المتخصصة التابعة للجهات المعنية.

ودعا إلى مراجعة آليات تسجيل والرقابة على المكملات الغذائية التي شهدت انتشارًا واسعًا خلال السنوات الأخيرة، بما يضمن حماية المستهلك وترشيد الاستخدام.

مخاطر مادة مثيرة للجدل

أوضح الدكتور محمد الحوفي، استشاري التغذية ورئيس قسم التغذية بجامعة عين شمس، أن ثاني أكسيد التيتانيوم (E171) هو مسحوق أبيض عالي النقاوة يستخدم كمادة تلوين وتعتيم لإضفاء اللون الأبيض وزيادة اللمعان وتحسين المظهر البصري لبعض المنتجات الغذائية، مثل الحلوى واللبان والشوكولاتة البيضاء والحلاوة الطحينية وبعض المخبوزات ومنتجات الألبان، كما يستخدم في بعض الأدوية والمكملات الغذائية.

وأشار إلى أن هذه المادة أثارت خلال السنوات الأخيرة جدلًا واسعًا بعد أن خلصت الهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء إلى عدم إمكانية اعتبارها آمنة بشكل كامل، بسبب عدم استبعاد احتمالية تأثيرها على المادة الوراثية (DNA)، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى حظر استخدامها في الأغذية منذ عام 2022.

وحذر من استخدام الدرجات الصناعية من ثاني أكسيد التيتانيوم في المنتجات الغذائية، نظرًا لاحتمال احتوائها على مستويات أعلى من الشوائب والمعادن الثقيلة مقارنة بالدرجات الغذائية الخاضعة لمواصفات رقابية محددة.

الغش الغذائي.. جريمة

ولان جرائم الغش الغذائي تهدد حياة الناس مباشرة فإن النائب حسن عمار، عضو مجلس النواب، أوضح أنها تجاوزت كونها مخالفات تجارية أو تموينية، بما يستوجب التعامل معها باعتبارها قضية تمس الأمن الغذائي. مشيرًا إلى أن تكرار ضبط منتجات غير مطابقة للمواصفات يكشف عن مخاطر الممارسات غير المشروعة التي تستهدف تحقيق مكاسب سريعة على حساب صحة المواطنين، مؤكدًا أن هذه الوقائع تستدعي تحركًا أكثر حسمًا لمواجهة جميع صور الغش والتلاعب.

وقال النائب عمار: إن العقوبات الحالية المنصوص عليها في قانون قمع الغش والتدليس تحتاج إلى مراجعة، موضحًا أن بعض العقوبات والغرامات لم تعد تحقق الردع الكافي مقارنة بحجم الأضرار التي قد تنتج عن تداول أغذية غير آمنة. مطالبًا بالتوسع في تطبيق منظومة رقمية لتتبع السلع الغذائية خلال مراحل الإنتاج والتداول، بما يساعد على كشف محاولات الغش والتلاعب، إلى جانب تفعيل قنوات الإبلاغ وتشجيع المواطنين على المشاركة في رصد المخالفات.

كما دعا إلى دمج الأنشطة الغذائية الصغيرة في الاقتصاد الرسمي من خلال تبسيط إجراءات الترخيص، وإلزام العاملين بها ببرامج تدريبية متخصصة في اشتراطات سلامة الغذاء، بالتوازي مع نشر ثقافة الاستهلاك الآمن بين المواطنين.

تشديد الرقابة

اتفق أحمد الحمامصي، عضو مجلس الشيوخ، مع الرأي السابق قائلًا: أن تكرار هذع الوقائع يمثل مؤشرًا يستدعي تشديد الرقابة على المنتجات المتداولة في الأسواق.، ويتساءل الحمامصي عن مدى فاعلية الآليات الرقابية الحالية في منع وصول المنتجات المخالفة إلى المستهلك، مطالبًا بألا تقتصر الرقابة على ضبط المخالفات بعد طرح المنتجات في الأسواق، وإنما تعتمد بصورة أكبر على الوقاية ومنع المخاطر قبل وقوعها.

ودعا إلى تعزيز الشفافية في إعلان نتائج الحملات الرقابية، وتوضيح خطط مواجهة أساليب الغش الغذائي المستحدثة، بما يسهم في تعزيز ثقة المواطنين في منظومة سلامة الغذاء.مطالبًا بتطوير آليات التفتيش والرقابة على محال بيع العصائر والمنتجات الغذائية، والتوسع في الحملات المفاجئة، وتشديد الرقابة على مصادر المواد المستخدمة في عمليات الغش الغذائي، مؤكدًا أن تحقيق الردع الحقيقي يتطلب تطبيق القانون بحزم على المخالفين.

.

منظومة رقابية متكاملة

رغم تعدد أدوات الرقابة وتطور آليات الفحص، فإن استمرار ضبط منتجات غير مطابقة للمواصفات يكشف أن المعركة مع الغش الغذائي لم تُحسم بعد. وفي مواجهة هذه التحديات، تؤكد الهيئة القومية لسلامة الغذاء أنها تعتمد على منظومة رقابية قائمة على التفتيش والتحليل والتتبع." حيث قال الدكتور طارق الهوبي، رئيس الهيئة القومية لسلامة الغذاء، أن الهيئة تمتلك منظومة متكاملة من التشريعات واللوائح المنظمة لسلامة الغذاء، مدعومة بأكثر من 1200 مفتش غذائي ينفذون حملات رقابية دورية ومفاجئة على المنشآت الغذائية للتأكد من الالتزام بالاشتراطات والمعايير المعتمدة.

وأوضح أن أعمال التفتيش تتم وفق أسس علمية وقوائم فحص محددة، بعيدًا عن الاجتهادات الشخصية، كما تُسحب العينات وفق آليات مدروسة تتناسب مع طبيعة كل نشاط، بما يضمن دقة التقييم واتخاذ الإجراءات المناسبة تجاه أي مخالفات يتم رصدها.

وأشار إلى أن الهيئة تعمل على دعم المنشآت الغذائية لتوفيق أوضاعها، من خلال سرعة التسجيل واستكمال إجراءات الترخيص، إلى جانب نشر الوعي بأهمية تطبيق الممارسات الصحية السليمة والالتزام باشتراطات سلامة الغذاء.

وأضاف أن الهيئة تحلل سنويًا نحو 160 ألف عينة غذائية داخل معامل معتمدة ومحايدة، وتتخذ الإجراءات اللازمة وفق نتائج التحاليل، بما في ذلك إلزام المنشآت المخالفة بسحب المنتجات غير المطابقة من الأسواق حفاظًا على صحة المستهلكين.

وشدد الهوبي على أن توفير غذاء آمن وصحي يمثل هدفًا استراتيجيًا لما له من أثر مباشر على حماية الصحة العامة وخفض تكاليف الرعاية الصحية، مؤكدًا أن الهيئة تعتمد على التطورات العلمية والتجارب الدولية في تطوير منظومة تقوم على الرصد الاستباقي للمخاطر والحد منها قبل وقوعها.

وفيما يتعلق بعربات الطعام المتنقلة، أوضح أن الهيئة تعمل على تطوير آليات الرقابة على هذا القطاع من خلال حصر وتصنيف العربات وفق طبيعة المنتجات الغذائية المقدمة، وإعداد قواعد تنظيمية ومواصفات فنية خاصة بها منذ عام 2023، بما يضمن سلامة المنتجات المتداولة وحماية المستهلكين.

ولفت إلى أن اتساع حجم السوق المحلي، وتنوع الأنشطة والمنشآت الغذائية، ووجود قطاع غير رسمي واسع، إلى جانب التوسع في التجارة الإلكترونية وتغير أنماط تداول الغذاء، تمثل تحديات مستمرة أمام الرقابة، وهو ما يتطلب تطوير القدرات المؤسسية والبشرية والتكنولوجية بصورة متواصلة.

وأوضح أن الهيئة تتعامل مع هذه التحديات من خلال تحديث المنظومة الرقابية، وتعزيز جاهزيتها، والانتقال من النهج الرقابي التقليدي إلى نهج وقائي يعتمد على التنبؤ بالمخاطر ومنعها قبل وصول المنتجات غير الآمنة إلى المستهلك.

وأشار إلى توجه الهيئة لتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، الذي يمثل أكثر من 90% من صناعة الغذاء في مصر، إلى جانب دعم التحول الرقمي من خلال تطبيق التفتيش الإلكتروني وتطوير نظم التتبع والرقابة على سلاسل الإمداد الغذائي، بما يرفع كفاءة الاستجابة للمخاطر ويعزز الشفافية.

وكشف الهوبي عن بدء الهيئة تنفيذ حصر شامل وممنهج للمنشآت الغذائية على مستوى الجمهورية، بهدف إنشاء قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة للمتعاملين في القطاع الغذائي، موضحًا أن هذه الخطوة تمثل أساسًا لبناء منظومة وطنية للطوارئ والإخطار السريع، وتطوير نظم التتبع والاستدعاء، بما يسمح بسرعة رصد المخاطر وسحب المنتجات غير المطابقة بكفاءة.

كما أكد إنشاء خمسة معامل متخصصة تعمل لصالح الهيئة بقرار من رئاسة الجمهورية، بهدف تسريع إجراءات الفحص وتوحيد الرقابة على الأغذية الواردة، إلى جانب إنشاء إدارة للشهادات الإلكترونية لرقمنة شهادات الصلاحية والشهادات الصحية الخاصة بالتصدير والاستيراد، بما يعزز الثقة في المنتجات المصرية ويحد من التزوير.موضحًا أن دورها لا يقتصر على التعامل مع المخالفات بعد وقوعها، وإنما يعتمد على الترصد والشكاوى والحملات الاستباقية للكشف عن صور الغش في المنتجات الغذائية.

وفيما يتعلق بما أثير حول استخدام مادة ثاني أكسيد التيتانيوم (E171)، أكد الهوبي أن الهيئة القومية لسلامة الغذاء لا تسمح باستخدامها كمادة مضافة للعصائر الطبيعية في مصر، وذلك وفقًا لقرار مجلس إدارة الهيئة رقم (4) لسنة 2020 وتعديلاته.

ورغم الحملات التي تعلن عنها الجهات الرقابية، يبقى السؤال مطروحًا: كيف تستمر المنتجات المغشوشة في الوصول إلى الأسواق إذا كانت منظومة الرقابة تعمل بكامل طاقتها؟ وهل تتركز الرقابة على ضبط المخالفات بعد وقوعها، أم تمتد إلى منع وصول المنتجات الخطرة إلى المستهلك من الأساس؟

وإذا كانت الهيئة تؤكد تحليل نحو 160 ألف عينة سنويًا، فهل يعكس هذا الرقم حجم السوق المصرية واتساعها؟ وما نسبة العينات التي يثبت عدم مطابقتها للمواصفات؟ وهل تُنشر هذه النتائج بصورة دورية لتعزيز الشفافية؟ وفي ظل غياب تداول المعلومات من مصادرها الرسمية كيف يمكننا تصديق رواية الحكومة؟!

التصدي لأي مخالفات

 ضبط المخالفات بعد وصولها إلى الأسواق يطرح سؤالًا آخر حول قدرة الرقابة الوقائية على منع وصول المنتج غير الآمن إلى المستهلك من الأساس. للإجابة على هذا السؤال كشف إسلام الجزار، المتحدث باسم جهاز حماية المستهلك عن إن حملات التفتيش كشفت عن استخدام بعض عربات الطعام لمواد غير مصرح باستخدامها في الأغذية، بينها ثاني أكسيد التيتانيوم، إلى جانب ضبط منتجات منتهية الصلاحية، مؤكدًا أن استخدام مثل هذه المواد في الأغذية يمثل خطورة مباشرة على صحة المستهلكين.

وأشار الجزار إلى أن بعض المخالفين يلجأون إلى استخدام مواد غير مطابقة للمواصفات بهدف تحسين شكل المنتجات أو الحفاظ على مظهرها لفترات أطول، وهو ما يمثل غشًا تجاريًا وتلاعبًا بصحة المواطنين.مؤكدًا أن استمرار الحملات الرقابية على قطاع الأغذية، مشددًا على أهمية وعي المواطنين بعدم التعامل مع مصادر غير موثوقة، والإبلاغ عن أي منتجات يشتبه في عدم سلامتها أو مصدرها.

عقوبات رادعة

وأؤكد الدكتور أحمد عبد الجواد، المحامي بالنقض والناشط الحقوقي ورئيس المجلس العربي للمحاكمة، أن الغش في الأغذية والمشروبات يعد جريمة يعاقب عليها قانون قمع التدليس والغش رقم 48 لسنة 1941، موضحًا أن القانون لا يقتصر على معاقبة الجريمة المكتملة، وإنما يشمل أيضًا الشروع في الغش أو تداول الأغذية المغشوشة مع العلم بذلك.

وأوضح أن العقوبات تتراوح بين الحبس والغرامات المالية وفق طبيعة المخالفة، وتزداد في الحالات التي تكون فيها الأغذية فاسدة أو تمثل خطرًا على الصحة العامة، بينما تصبح العقوبة أشد إذا ترتب على تداولها إصابة المستهلك بعاهة مستديمة أو وفاة.وأشار إلى أن منح مأموري الضبط القضائي ومفتشي التموين صلاحيات أوسع أسهم في تعزيز الرقابة على الأسواق، إلا أن المواجهة الفعالة تحتاج إلى زيادة أعداد المفتشين وتأهيلهم وتوفير الأدوات الحديثة اللازمة لفحص العينات وسرعة تحليلها.

وشدد عبد الجواد على أن الإضرار بالصحة العامة، خاصة صحة الأطفال والأمهات، يمثل خطرًا بالغًا يستوجب تشديد العقوبات إلى جانب تعزيز الرقابة والحوكمة وضبط الأسواق.

وأخيرًا لقد خرجنا من هذا التحقيق بعدد من الأسئلة اكبر من تلك التي دخلناه بها، فكم عدد القضايا التي وصلت لأحكام نهائية، ومدى قدرة العقوبات الحالية على ردع المخالفين مقارنة بالأرباح التي يحققونها وهل يحصل المواطن محدود الدخل على القدر نفسه من الحماية الذي يحصل عليه المستهلك في الأسواق المنظمة؟ أم أن انخفاض الأسعار يجعل الفئات الأكثر احتياجًا أكثر عرضة للمنتجات غير الآمنة؟وإذا كان التتبع الإلكتروني يمثل أحد الحلول المطروحة، فما الجدول الزمني لتعميمه على جميع مراحل سلسلة الغذاء؟ وهل يمتلك المستهلك وسيلة سهلة للتحقق من مصدر المنتج قبل شرائه؟و كم منتجًا مغشوشًا يصل إلى الأسواق قبل اكتشافه؟

إننا امام قضية لا تقتصر على مخالفة قانونية أو خسارة اقتصادية، بل ترتبط بحق الإنسان في الحصول على غذاء آمن يحمي صحته وحياة أسرته. ومن هذا المنطلق، فإن تطوير منظومة الرقابة، وتعزيز الشفافية، وسرعة محاسبة المخالفين، وتمكين المستهلك من الإبلاغ عن المنتجات المشبوهة، تمثل جميعها عناصر أساسية لضمان هذا الحق.

استطلاع رأي

قرارات الاستبعاد من الدعم .. هل تعكس معايير الحذف الأخيرة من بطاقات التموين (امتلاك سيارة أو المدارس الخاصة) الأوضاعة الاقتصادية الحقيقية للأسر المصرية؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

قصص لابد من قراءتها

حنان فكري
رئيس التحرير

“كاتبة وصحفية استقصائية مصرية، تشغل موقع مساعد رئيس تحرير جريدة ‘وطني’. تجمع مسيرتها المهنية الممتدة بين الإعلام البيئي (كباحثة دكتوراه في صحافة المناصرة وماجستير العلوم البيئية من جامعة عين شمس) والعمل الإنساني التمكيني (بكالوريوس العلاج النفسي والمشورة لضحايا الإيذاء الجنسي). شغلت سابقاً عضوية مجلس نقابة الصحفيين ورعاية صالون ‘المواطنة’، وتلتقي بقرائها دورياً عبر عمودها ‘جر شكل’.”

شارك بقصتك

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x