
محلل الموارد: إريك هيمان
ترجمة وتحرير: حنان فكري
تحدد الصفقة الأوروبية الخضراء هدف الحياد المناخي بحلول عام 2050 كاستراتيجية نمو يجب ألا تترك أي شخص متخلفاً عن الركب. هذا بمثابة تربيع الدائرة. وستظهر السنوات القليلة المقبلة ما إذا كنا مستعدين لإجراء نقاش ديمقراطي نزيه وصادق حول هدف الحياد المناخي؛ لذلك سيتعين علينا توجيه أسئلة إلى أنفسنا قد تكون مزعجة، كما يجب علينا الاعتراف بالحقائق غير المريحة. وأولى هذه الحقائق أنه إذا لم يتم إجراء هذا النقاش، سيظل الحياد المناخي موضوعاً للخطابات السياسية والوعود الرائعة.
إذا سألتني عن الموضوع الذي روجت له رئيسة مفوضية الاتحاد الأوروبي، أورسولا فون دير لاين، منذ توليها منصبها في صيف عام 2019، فإن إجابتي ستكون واضحة وهي: "اتحاد أوروبي محايد مناخياً بحلول عام 2050"، وذلك إلى جانب موضوعات أخرى في الخلفية مثل صراعات التجارة الدولية، وأزمة اللاجئين التي لم تُحل بعد، وارتفاع الديون الوطنية في العديد من دول الاتحاد الأوروبي، وتعزيز الهوامش السياسية، أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وحتى وباء كورونا بالكاد يمكنه مواكبة ذلك، رغم موافقة دول الاتحاد الأوروبي لأول مرة على تحمل ديون مشتركة من أجل مكافحة هذه الأزمة عبر المشاريع صديقة المناخ.
إن الأساس السياسي لموضوع الحياد المناخي هو الصفقة الأوروبية الخضراء التي تمت في ديسمبر عام 2019، وتنص على أنها: "استراتيجية نمو جديدة يمكن من خلالها أن يصبح الاتحاد الأوروبي مجتمعاً منصفاً ومزدهراً يتمتع باقتصاد حديث وفعال من حيث الموارد وتنافسي، وبأدوات تضمن عدم ترك أي شخص خلف الركب".
على سبيل المثال، أنا أؤيد وضع صانعي السياسات أهدافاً طموحة، ومع ذلك، هناك فرق بين "الطموح" و"الواقع". فيما يتعلق بالاتفاقية الخضراء، فمن المستحيل جعل الاتحاد الأوروبي محايداً مناخياً تماماً في غضون 30 عاماً فقط إذا كنا نعتمد فقط على التقنيات المتاحة والمقبولة سياسياً اليوم.
إن الادعاء بأن الحياد المناخي يمكن أن يصبح استراتيجية للنمو هو مجرد تمنٍ؛ لأن نتائج تحليل الأنماط النموذجية لسياسة المناخ الوطنية والدولية التي قمت بإجرائها من قبل كانت تصل إلى أنه من الشائع عدم تحقيق الأهداف الطموحة لحماية المناخ على نطاق واسع. وأعتقد أنه من الصواب أن يصوغ السياسيون أهدافاً طموحة، لكن يمكن أن يكون هناك فرق بين الأهداف الطموحة والواقعية.
سنوات الحقيقة
فيما يتعلق بالصفقة الخضراء—«الصفقة الخضراء» التي أطلقها الاتحاد الأوروبي في نهاية عام 2019، تُعتبر أول خطة رسمية إقليمية شاملة في العالم لتحقيق التنمية المستدامة، وتمتد مرحلتها الأولى عشر سنوات، بكلفة مليار يورو سنوياً، لتمويل نشاطات وبرامج تؤدي إلى تخفيض انبعاثات الكربون إلى النصف بحلول سنة 2030—فقد سبق لي أن ذكرت عدة مرات أن الحياد المناخي لن يكون قابلاً للتحقيق في غضون 30 عاماً فقط من خلال التقنيات المقبولة سياسياً والمتاحة اليوم. وهناك حقيقة صادمة وهي أن أهداف حماية المناخ الطموحة غالباً ما يتم تجاهلها بوضوح. ومن المحتمل أن تكون السنوات الثلاث القادمة هي سنوات الحقيقة، ويبقى أن نرى ما إذا كنا مستعدين لإجراء نقاش ديمقراطي نزيه حول هدف الحياد المناخي أم لا؟ لذلك سيتعين علينا أن نسأل أنفسنا أسئلة مزعجة وأن نعترف بالحقائق غير المريحة؛ لأنه بدون هذا النقاش، سيظل حياد المناخ موضوعاً للخطابات السياسية والوعود الرائعة دون الإضرار بأي شخص.
الوقود الأحفوري.. الحقيقة المزعجة في المستقبل
دعنا نصل إلى حقيقة مزعجة: سيستمر استهلاك طاقة الأرض في الزيادة في السنوات القادمة؛ لأنه مع النمو السكاني البالغ 80 مليون شخص سنوياً، سيكون السعي لتحقيق الرخاء المادي لأولئك الأشخاص من العوامل الرئيسية التي تبقي الوقود الأحفوري في المقدمة كأهم ركيزة للطاقة.
وحتى في ظل السيناريو المتفائل الخاص بالتنمية المستدامة الحالي (SDS) للوكالة الدولية للطاقة (IEA)، والذي يتضمن بالفعل تدابير أكثر طموحاً لحماية المناخ من تلك الموعود بها في اتفاقية باريس لحماية المناخ، ستظل حصة الوقود الأحفوري في استهلاك الطاقة الأولية بحدود 56٪ بحلول عام 2040. وسيكون هذا انخفاضاً كبيراً مقارنة باليوم (80٪)، إذ تصل الطاقات المتجددة إلى 35٪ في ظل سيناريو التنمية المستدامة (SDS)، مدفوعة بأقوى الزيادات المتوقعة لطاقة الرياح والطاقة الشمسية.
مثلث سياسة الطاقة
سيكون السؤال الرئيسي في السنوات القادمة هو: هل نأخذ الدعوة للانفتاح التكنولوجي على محمل الجد؟ للقيام بذلك، يجب على المرء أولاً وقبل كل شيء أن يدرك أن جميع مصادر الطاقة محفوفة بالمخاطر، ولكل منها مزايا وعيوب محددة تتعلق بالكفاءة الاقتصادية والموثوقية والقدرة أو الأداء، والتوافق المناخي والبيئي، أي الأبعاد الكلاسيكية أو الزوايا التقليدية لمثلث سياسة الطاقة، كما أن القبول السياسي للتكنولوجيات مهم أيضاً.
وبالانتقال إلى الاقتصاد وفيما يتعلق بالربحية، سنحتاج إلى نقاش صادق حول تكاليف مصادر محددة من الطاقة؛ ففي حالة الوقود الأحفوري الموثوق والفعال، لا يتم استيعاب التكاليف الخارجية له بشكل كافٍ، ويجب أن تكون أسعار الكربون أعلى بكثير مما يسمح به الإجماع السياسي حالياً. وفي حالة طاقة الرياح والخلايا الكهروضوئية، فإن تكاليف توليد الكهرباء النقية (التي تتناقص) ليست سوى جزء من الصورة، ومع اكتساب مصادر الطاقة المعتمدة على الطقس أهمية، يجب زيادة الاستثمارات في الشبكات وقدرات تخزين الطاقة، وسلسلة التدخلات في الشبكة عالية التكلفة ستحدث بشكل متكرر. علاوة على ذلك، سيشهد الموردون الآخرون (على سبيل المثال محطات الطاقة التي تعمل بالغاز) انكماشاً وانخفاضاً في استخدام قدراتهم إذا تم تزويد الشبكة بمزيد من الكهرباء من مزارع الرياح والطاقة الشمسية، وغالباً ما يتم تجاهل هذه التكاليف المترتبة على الاعتماد المتزايد على الطاقات المتجددة.
القبول السياسي
من حيث القبول السياسي، فإن الطاقة النووية هي مثال جيد لما تتم مواجهته من صعوبات سياسية؛ فألمانيا مثلاً تدرس الانسحاب من الطاقة النووية نظراً لعدم وجود قبول سياسي لها، بالرغم من أنها طاقة منخفضة الكربون. في المقابل، ستبقى الطاقة النووية ركيزة مهمة في قطاع الكهرباء في فرنسا والولايات المتحدة والصين واليابان. وقد تكون المواقف المختلفة تجاه الطاقة النووية بين ألمانيا وفرنسا أحد أسباب عدم ذكر الطاقة النووية ولو بكلمة واحدة حتى ضمن بنود الصفقة الخضراء للاتحاد الأوروبي.
كما أن احتجاز الكربون وتخزينه—ومعناه "عزل ثاني أكسيد الكربون عبر عملية دفن غاز ثاني أكسيد الكربون في باطن الأرض، ويتم ذلك بعد فصل الغاز واحتجازه في صهاريج عند انبعاثه من محطات توليد الكهرباء؛ حيث تتم عمليات الفصل والاحتجاز والدفن لغاز ثاني أكسيد الكربون بهدف التخفيف من زيادة حرارة الأرض التي أصبحت تؤرِّق العالم لأنها تهدد مستقبل حياة البشر على الأرض"—يواجه احتجاز الكربون هذا مقاومة سياسية كبيرة في دول مثل ألمانيا. ورغم أن الرفض السياسي مرتفع جداً في دول مثل ألمانيا، فإن الصفقة الخضراء توفر أيضاً استثمارات في هذا المجال. وبطبيعة الحال، فإن أي شخص يخشى أن تصبح أجزاء كبيرة من العالم غير صالحة للسكن نتيجة لتغير المناخ، وبالتالي يسعى جاهداً من أجل الحياد المناخي، يجب ألا يرفض فعلياً التقنيات الأولية التي تخدم حماية المناخ حتى لو كانت محفوفة بالمخاطر. وبالتالي، فإن النقاش الصادق حول الحياد المناخي يتضمن أيضاً تقييماً للمخاطر خالياً من الأيديولوجيا لمصادر الطاقة المختلفة، وتحليلاً لتدابير التكيف المحتملة مع تغير المناخ.
الديكتاتورية البيئية
سيكون من الضروري وجود درجة معينة من الديكتاتورية البيئية—وأعلم أنها كلمة سيئة ولكننا لن ننجح بدونها—ولنسأل أنفسنا: ما هي درجة الديكتاتورية البيئية التي يجب الالتزام بها—والمقصود بها (القانون التنظيمي)—لنعتبرها مقبولة من أجل الاقتراب من هدف الحياد المناخي؟
وإليكم مثال عملي للغاية: "ماذا نفعل إذا كان أصحاب المنازل لا يريدون تحويل منازلهم إلى منازل خالية من الانبعاثات، أو إذا لم تكن لديهم الإمكانيات المالية للقيام بذلك، أو إذا كان هذا غير ممكن من الناحية الفنية، أو إذا لم يكن ذلك مفيداً للمالك؟" علينا فرض ضرائب عليهم؛ فلا تزال عواقب سياسة المناخ الحالية على الحياة اليومية مجردة نسبياً، ويمكن تحملها بالنسبة لمعظم الأسر الخاصة، إذ نشعر بآثار سياسة المناخ في شكل ضرائب أعلى ورسوم على الطاقة تزيد من تكاليف التدفئة لدينا أو ترفع كلفة وسائل الانتقال. ومع ذلك، لا تهيمن سياسة المناخ على أعمالنا اليومية؛ فالأسئلة التي تتعلق بسفرنا، ووسيلة انتقالاتنا، وكيف سنقوم بتدفئة بيوتنا، وكم عدد السلع الاستهلاكية الإلكترونية التي نمتلكها، ومدى كثافة استخدامها، أو مقدار اللحوم والفواكه الاستوائية التي نأكلها، يميل اتخاذ القرارات فيها إلى قدراتنا المادية التي تستند إلى أساس الدخل، وليس إلى أساس الاعتبارات المناخية.
الثمن المدفوع
إذا تحرك الاتحاد الأوروبي بسرعة أكبر نحو الحياد المناخي مقارنة ببقية العالم، فإن أسعار الكربون في الاتحاد الأوروبي سترتفع بسرعة أكبر أيضاً، وسيؤدي هذا إلى تقليل القدرة التنافسية للشركات كثيفة الاستهلاك للطاقة في الاتحاد الأوروبي. فهل نحن على استعداد لدفع هذا الثمن؟ ربما لا؛ لأنه لا ينبغي لأحد أن يسقط على جانب الطريق. وهل نريد دعم هذه الشركات حتى تتمكن من استخدام تقنيات باهظة الثمن ولكنها صديقة للمناخ؟ حتى هذا الخيار يصعب تنفيذه على المدى الطويل نظراً لمحدودية الموارد المالية، فلا يمكننا دعم كل ما يخدم حماية المناخ.
يجب أن يتضمن النقاش الصادق حقيقة أن كل يورو يُنفق على حماية المناخ لا يمكن استخدامه في التعليم، أو البحث، أو نظام الصحة العامة، أو البنية التحتية الرقمية، أو الأمن الداخلي والخارجي، أو التخفيضات الضريبية، أو معاشات تقاعدية أعلى. وتخطط مفوضية الاتحاد الأوروبي لإدخال نظام تعديل حدود الكربون لمعالجة مشكلة المنافسة. فهل نعتقد حقاً أن القيام بذلك لن يجعل البلدان المتضررة تتخذ تدابير مضادة؟ وهل نحن مستعدون حقاً للتخلي عن مزايا التجارة الحرة لصالح حماية المناخ؟
حماية المناخ ليست أغلبية ديمقراطية
لا ينبغي لأحد أن يسقط على جانب الطريق في طريقه إلى الحياد المناخي، كما يقول بيان "الصفقة الخضراء"، وهذا الفكر هو الأقرب إلى ما يسمى تربيع الدائرة؛ إذ سيكون هناك خاسرون في سياسة المناخ التي يجب أن تختلف بشكل كبير عن تلك الممارسة اليوم، خاسرون من الأسر والشركات، كما ستكون هناك خسائر ملحوظة في درجة الرفاهية والوظائف، وإذا لم يكن الأمر كذلك، لكانت حماية المناخ مهمة سهلة. وبالطبع سينعكس هذا على المشهد السياسي، على الصعيدين الوطني وداخل الاتحاد الأوروبي.
ستكون هناك أطراف تجادل وتستخدم حججاً ضد السياسات الصارمة لحماية المناخ، إذا أدى ذلك إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة أو التعدي على الحرية الشخصية وحقوق الملكية. ودعونا لا نخدع أنفسنا: فمثل هذه الأحزاب سوف تجد الدعم. سيكون هناك أيضاً نزاعات توزيع كبيرة داخل الاتحاد الأوروبي، مما قد يساهم في مزيد من انقسام الاتحاد. فهل يمكننا الصمود أمام مثل هذا الاستقطاب السياسي؟ أم سنقوم بتعديل طموحات سياستنا المناخية إلى أسفل مرة أخرى بمجرد أن ندرك أن سياسة المناخ الصارمة للغاية لا تحظى بأغلبية ديمقراطية؟



