إعاقة للبيع

حنان فكري

توحّش الفقر، وخاض مفاوضات على كل شيء؛ على اسمك، على جسدك، على هويتك. وفي أزمنة الحرمان، وضع الفقر قانونه الخاص، عنوانه: "إذا لم يكن لديك ما تبيعه، فبع نفسك". وبعد أن كان المحرومون مجرد "صداع" في رأس المجتمع، صاروا سلعة تُباع وتُشترى، برضاهم ورغماً عن أنوفهم؛ يبيعون أعضاءهم، أولادهم، وأسماءهم. وحينما يبحثون عن الثمن، يجدونه سراباً وماءً عكراً يتسرب من بين أياديهم، فيعودون إلى المربع رقم صفر في قائمة الحرمان.

إن هذا الانحدار نحو "مقايضة الذات" ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة حتمية لغياب بوصلة التعليم الجيد، وضياع الثقافة التي تحمي الإنسان من التغريب، وانعدام الإرشاد الذي ينير للمحتاج دروب السلامة. ففي ظل خواء الجيوب، يتآكل الوعي، ويصبح الفقير "صيداً سهلاً" لكل من يريد تمرير مخالفاته أو تجاوزاته عبر "هوية" لا تملك من قوتها إلا القهر. هكذا، يدفع الحرمان الناس لارتكاب مخالفات جسيمة؛ لا بدافع الإجرام، بل لأنهم يفتقرون إلى الحد الأدنى من المعرفة بتبعات أفعالهم، ولأن "حبل الجوع" حين يلتف حول العنق، يُغيب القدرة على التمييز بين الحق والباطل، ويُسقط كل قيم الحذر أمام بريق "قوت اليوم". وهكذا عاش، وربما سيموت على حاله، بطل قصتنا اليوم.

حادث يغير مصير أسرة

منذ عامين ونصف تقريباً، نشرنا عن امرأة شابة، بسيطة إلى حد "التراب"، بريئة إلى حد السذاجة، جاءت من المنيا لتحيا مع زوجها الذي يكبرها بعشرين عاماً. أنجبت ثلاثة أطفال وكانت راضية تماماً؛ كان يعمل سائقاً لـ"تروسيكل"، يخرج من منزله باكراً ليعود حاملاً قوت أسرته. ذات يوم خرج ولم يعد في موعده، وبدأ القلق يدب في قلب زوجته، لتكتشف أن حادثاً مروعاً وقع للرجل على الطريق الدائري، اقتلعته فيه سيارة نقل من فوق الأرض التي يقف عليها. ظل الرجل في المستشفى أسابيع؛ كان بقاؤه على قيد الحياة معجزة لا يصدقها عقل، بعد أن أُجريت له عدة جراحات خطيرة تركت عجزاً مؤثراً في ساقيه، فصار يسير مستنداً لـ"مشاية"، جاراً خلفه ساقيه العاجزتين.

لكن الأيام تدور، والله يفتح أبواباً قد يغلقها البشر. فبعد أن فقد الأمل في تحسن ظروفه المعيشية، استطاع الرجل استخراج المعاش، وسارت الأحوال بالكاد، مساعدة من هنا، ورأفة من هناك، وشفقة من هذا، ولقمة من ذاك، حتى علم أحد القادرين في المنطقة التي يقطنها بحاجته للمال، فعرض عليه أن "يمنحه اسمه". ومنح ضيفنا المعاق اسمه للرجل القادر، حتى يستطيع شراء سيارة جديدة بدون جمارك، ويقيدها باسم الفقير المستغل، مقابل خمسة آلاف جنيه، وضعها فوق الثلاثة آلاف، ثم اقترض ألفاً ليتمم التسعة آلاف، ويدفع مقدم "شقة العمر" في أقاصي الجيزة. لكنها بالنسبة لأسرته كانت حلم العمر، حلم بسيط جداً حققه حينما "باع إعاقته".

فرحت الأسرة بالسكن الاجتماعي الجديد، أما الشؤون اليومية من طعام وكهرباء وعلاج وغاز وملابس ودروس ومدارس، فكانت تسير بالكاد على إعانة الرحماء. مرت الشهور، وإذا بزوجته تزورني والخجل يعلو وجهها، وقد انتفخ جسدها؛ احتلت الدهشة ملامحي.. إنها حامل! الطفل الرابع على وشك الانطلاق إلى أرض المواجع، ليضيف رصيداً جديداً إلى الغلابة. خجل شديد كسا وجهها وصبغه بالاحمرار، وقالت والإنحناء لا يفارق هامتها: "اللي حصل بقى.. وأنا على وش ولادة دلوقتي".

رزقها الله بالطفل، وتحمل الرحماء مصروفات الوضع، لكن يبدو أنها ليست آخر محنة. فالتكافل الاجتماعي علم بأمر السيارة التي تحمل اسم زوجها عن طريق الرصد والمتابعة الشهرية، فقررت الوزارة وقف المعاش. فقدت الأسرة معاشها الذي كان يسدد خانة الإيجار، وبالتبعية امتنعت الأسرة عن سداده لمدة خمسة أشهر، في الوقت الذي تزايد فيه الإنفاق بسبب القادم الجديد. والآن، صاحب العقار يهددهم بالطرد، فأين يذهب زوج وزوجة وأربعة أطفال أصغرهم عمره شهور؟

ومن أين لأولئك المحرومين سداد الشهور الخمسة الماضية والشهور القادمة؟ ليس لديهم ما يبيعونه بعد أن تاجر الرجل مرغماً بإعاقته، ليس لديهم شيء آخر يبيعونه ليحفظوا أربعة جدران تحميهم. لذلك، نناشد وزارة التضامن الاجتماعي بحث ودراسة ملف هذه الأسرة، والنظر إليها بعين الرأفة؛ فلا يمكن إصدار حكم مؤبد على الأبناء بسبب خطأ والدهم وسوء تقديره، خاصة أنه معاق فعلاً، لكنه -مثل كثيرين- أخطأ في لحظة احتياج شديدة، بحثاً عن توفير القوت اليومي لبنيه، وحتى لا يشعر بالعجز أمام أسرته.

بين مطرقة الرصد الآلي وسندان الفقر 

كشفت حالة "إعاقة للبيع" عن فجوة مؤلمة بين كفاءة الربط الإلكتروني للبيانات في وزارة التضامن الاجتماعي والواقع الإنساني للأسر الأكثر احتياجاً؛ إذ أدى الرصد الآلي -عبر قواعد بيانات المرور- إلى وقف معاش "كرامة" عن أسرة تعيش تحت خط الفقر، وذلك بعد ثبوت ملكية الزوج لسيارة سُجلت باسمه كـ "مستغل" مقابل مبلغ زهيد لتغطية احتياجاته الأساسية. ورغم أن هذا الإجراء يأتي ضمن استراتيجية الوزارة لضمان وصول الدعم لمستحقيه ومنع التلاعب بموارد الدولة وفقاً للمعايير القانونية، إلا أن الحالة تبرز ضرورة تفعيل دور البحث الاجتماعي الميداني كطرف موازن للرصد الرقمي؛ فإيقاف المعاش أدى إلى تراكم الإيجارات وتهديد الأسرة بالطرد من سكنها الاجتماعي، مما يحول الأبناء إلى ضحايا لقرارات إدارية لا تفرق بين "المالك الفعلي" و"المستخدم كواجهة للتحايل"، مما يستدعي تدخلاً عاجلاً لإعادة تقييم الحالة وفقاً للظروف الاجتماعية الموثقة.

مسارات الأمل وتحديات الحماية الاجتماعية

في المقابل، تتيح المنظومة الإدارية للوزارة والجهات التابعة لها، مسارات قانونية يمكن للأسرة اتخاذها لرفع المعاناة؛ حيث يمكن التقدم بتظلم رسمي عبر البوابة الإلكترونية لبرنامج "تكافل وكرامة" أو من خلال الوحدات الاجتماعية المحلية، مدعوماً ببحث اجتماعي ميداني يثبت عدم استحقاق الأسرة للسيارة وعدم انتفاعها المادي منها. 

إن التحدي الحقيقي أمام التضامن الاجتماعي في عام 2026 يكمن في الموازنة بين "حرفية القانون" و"روح الرحمة" في الحالات الاستثنائية؛ لضمان أن تظل مظلة الحماية الاجتماعية صمام أمان للأطفال الذين لا ذنب لهم في سوء تقدير آبائهم، وذلك تماشياً مع أهداف الدولة في حماية الفئات الأكثر هشاشة من الانزلاق إلى مزيد من الفقر، وضمان حياة كريمة تليق بمستقبلهم التعليمي والصحي.

0 0 الأصوات
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
استطلاع رأي

قرارات الاستبعاد من الدعم .. هل تعكس معايير الحذف الأخيرة من بطاقات التموين (امتلاك سيارة أو المدارس الخاصة) الأوضاعة الاقتصادية الحقيقية للأسر المصرية؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

قصص لابد من قراءتها

حنان فكري
رئيس التحرير

“كاتبة وصحفية استقصائية مصرية، تشغل موقع مساعد رئيس تحرير جريدة ‘وطني’. تجمع مسيرتها المهنية الممتدة بين الإعلام البيئي (كباحثة دكتوراه في صحافة المناصرة وماجستير العلوم البيئية من جامعة عين شمس) والعمل الإنساني التمكيني (بكالوريوس العلاج النفسي والمشورة لضحايا الإيذاء الجنسي). شغلت سابقاً عضوية مجلس نقابة الصحفيين ورعاية صالون ‘المواطنة’، وتلتقي بقرائها دورياً عبر عمودها ‘جر شكل’.”

شارك بقصتك

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x