حنان فكري
من يبادلنى العيش في شبع وترف بسجدة آمنة وسط أهلى على أرض محمية؟ من يهزم الخوف ويمنع الأحلام المُفخخة من الانفجار فى الحنين الى ديارى إذا ما لمتني مواجع الغربة في بلاد بعيدة؟ لا أحد يفعل، إنه لسان حال الناس في ملمات الحروب...نعم أعلم تمامًا أننا في مصر الأفضل حالًا وأمانًا وتماسكًا بين دول المنطقة، لكن تعاظمت الضريبة وقصمت ظهور الغلابة، حتى وصلت للمستورين، فلا أحد يقايض الأمان بالجوع، كلاهما يفضي إلى موت، ولا أحد ينصت لنداء مكتوم على حكومة مقطوعة الآذان؟
ليست هذه الكلمات وحدها التي تعبر عن حال الناس. ففي إحدى ضواحي القاهرة، قابلت سيدة خمسينية تعول أسرتها بعد وفاة زوجها اشتكت حالها قائلة: "لم أعد أشتري إلا الضروري جدًا. كل أسبوع أحذف صنفًا جديدًا من قائمة الطعام، حتى أصبح السؤال اليومي: ماذا نستطيع أن نؤجل؟". بينما تتحدث تتدخل عامل يعمل بالأجر اليومي قائلًا أنه بات يعود إلى منزله في بعض الأيام بما لا يكفي لشراء احتياجات أسرته الأساسية، بعدما التهمت زيادات النقل والسلع معظم دخله. وهكذا تخور قوى الناس، ما بقيت فينا قوة للجدال فأخبرونا متى تتوقف موجات الغلاء؟ أم أنها لن تتوقف ؟
إنها استغاثة بائسة، لكن لا أحد يسمع استغاثات شعب نصفه يحيا بالكاد، وعلى الفتات، نصفه يتلقى حسنة يتنوع اسمها ما بين "تكافل وكرامة" وإعانة محدودي الدخل، وهذا ليس من عندياتي وإنما وفقًا لما أعلنه رئيس الوزراء د. مصطفى مدبولي، حينما قال إن 15 مليون أسرة تلقت دعمًا. بحسبة بسيطة يكون فيها هذا الرقم مضروبًا في متوسط عدد أفراد الأسرة حوالي أربعة أفراد، يصل العدد إلى ستين مليون مستفيد من "تكافل وكرامة" ومحدودي الدخل.
ويرى عدد من خبراء الاقتصاد أن قيمة أي زيادة في الأجور تتراجع إذا استمرت معدلات التضخم في الارتفاع بوتيرة أسرع، لأن القوة الشرائية للمواطن تصبح هي المعيار الحقيقي لتحسن مستوى المعيشة، لا قيمة الراتب في حد ذاته.
وبالرغم من أن الحكومة تؤكد التوسع في برامج الحماية الاجتماعية، وفي مقدمتها "تكافل وكرامة"، يأتي ضمن جهود تخفيف آثار الإصلاحات الاقتصادية على الفئات الأولى بالرعاية، مع زيادة مخصصات الدعم النقدي خلال السنوات الأخيرة. لكن يبقى السؤال: هل يصل هذا الدعم إلى جميع من تضرروا فعلًا من موجات الغلاء، خاصة العاملين في القطاع الخاص والعمالة غير المنتظمة؟
وبعد زيادة الأسعار ورفع سعر البنزين الذي ارتفعت معه كافة الأسعار بدءًا من السلع الغذائية وصولًا إلى إنبوب البوتاجاز، أبشركم نحن على الطريق إلى مجتمع الحرمان. تارة بسبب الفقر ، واخرى بسبب تراجع التكافل، فمن كان يومًا حنونًا معطاءً للمحتاجين، معطيًا من مدخراته أو حتى من أعوازه، اليوم لن يتمكن من ذلك. نحن نفقد القوة الناعمة التي تحمي المجتمع من "التغول باسم غريزة البقاء"؟ إنها قوة التكافل التي تتآكل مع تآكل القدرة المادية للناس.
هنا تبرز أسئلة لا يمكن تجاوزها: ما حجم الأثر المتوقع لهذه الزيادات على الأسر محدودة ومتوسطة الدخل؟ وهل توجد آليات رقابية فعالة تمنع استغلال ارتفاع تكلفة الوقود في فرض زيادات غير مبررة على أسعار السلع والخدمات؟ وكيف ستُحمى الفئات التي لا تستفيد من زيادات الأجور الحكومية؟
كل الحلول النظرية التي تخرج علينا بها حكومة د. مدبولي صارت حلولًا وهمية، وظيفتها غسل الأيدي من دماء الغلابة. فالتصريح بزيادة الحد الأدنى للأجور في ظل أسعار تتسابق مع نفسها لكشف المستورين، تبدو كالمشهد التاريخي الشهير للقائد الروماني بيلاطس وهو يطلق عبارته الشهيرة عند محاكمة المسيح : "أنا برئ من دم هذا البار ". لكنه في النهاية سلمهم إياه ليصلبوه
هكذا يخرج علينا رئيس الوزراء، وكأنه يبرئ ساحته برفع الحد الأدنى لإجور للموظفين، ممن هم تحت إدارته، فيما يسلم من هم خارج الوظيف لحكومية لصلبوت العوز، فماذا عن بقية أبناء الشعب؟ أبناء القطاع الخاص الذين يوقعون على أجور سرابية، لا تصل إليهم، مقابل بقاء أبواب العمل مفتوحة. ولم يصلوا بعد لنصف الحد الادني المقرر سابقًا 7 الاف ج؟ أسعار السلع ترتفع أسرع من رواتب أي موظف غير حكومي. اما عن "الأرزقية" ورزق اليوم بيومه، فحدث ولا حرج، كيف يمكن لاولئك المنكوبين مواجهة القادم؟
التصريحات الرسمية تقول: "سنراقب الأسعار، سنمنع الغلاء، سنزيد الأجور"، لكن الواقع يقول: المواطن يسدد الفاتورة كاملة، وهو نصفه جائع ونصفه مشرد. فكل زيادة صغيرة تتحول إلى كارثة يومية، والارتفاعات الأخيرة في الوقود والأسمدة والأعلاف دفعت كلفة الخضروات واللحوم والدواجن لتقفز بين ليلة وضحاها بنسبة 15–25%، بينما ارتفع سعر البنزين بنسبة 17.4%.، أسعار الأرز والفاصوليا والطماطم تجاوزت 30–60 جنيهًا للكيلو، حتى الملاذ الآمن "الرغيف" صار هدفًا ففقد نصف وزنه، كل هذا دون أي شبكة أمان حقيقية.
والحكومة تصمت، بل وترفع البنزين بنفسها تحت ذريعة الحرب، 3 جنيهات للتر الواحد، وكل زيادة صغيرة في الوقود تعني ارتفاع تكاليف الإنتاج بنسبة 10–30% حسب طبيعة السلعة وطبيعة النقل، وفق منظمة "الفاو"، الغم طال الجميع، ووصل الأمر الى سبل اعلام الناس بالحقائق، فحتى الصحف تتراقص أمام ناظريها فكرة الإغلاق بعدما ارتفعت أسعار الورق والطباعة لدي مطابع المؤسسات القومية إلى 50% من التكلفة الأصلية، وهو جنون لا يمكن تجاوزه، جنون يغذي ضعف قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات، إذ تصبح الأسر عاجزة عن مواجهة أي صدمة اقتصادية مفاجئة، سواء مرض أو ظروف طارئة، أو حتى نقص بسيط في السلع الأساسية. وتصبح المؤسسات والشركات والصحف عاجزة عن الاستمرار في سوق العمل، فتتقلص مساحات التنوع التي نتفاخر بها.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن القرارات الاقتصادية الأخيرة جاءت في ظل ظروف إقليمية ودولية استثنائية، وأن الحفاظ على استقرار الاقتصاد يتطلب إجراءات صعبة، بالتوازي مع استمرار برامج الحماية الاجتماعية وزيادة الإنفاق على الفئات الأكثر احتياجًا. غير أن هذه التبريرات لا تلغي حق المواطنين في التساؤل عن مدى قدرة تلك البرامج على تعويض الارتفاع المتسارع في تكاليف المعيشة.
يا سيادة رئيس الوزراء، لست رئيسًا لموظفي الحكومة فقط، توزع عليهم الراتب وكأنهم وحدهم أهل استحقاق. أنت رئيس وزراء عن كل مواطن، عن كل جائع، عن كل من لا اسم له في كشوف الدولة، لكل أسرة مستترة، لكل طفل لا يصل إلى المدرسة بسبب ضعف الدخل، ولكل عجوز لا يملك نصف الحد الأدنى للرواتب. مسؤوليتك تتجاوز صرخة الموظف النظامي لتصل إلى بطون الناس الخاوية، ولحياة من يموتون صمتًا بين خطوط البطاقة التموينية. لا يحق لك الحديث عن خطط اقتصادية دون أن تضع في حسابك حقيقة "الأرزقية"، والمستورين الذين هبط تصنيفهم الى ما تحت خط الفقر.
المواطنون يطالبون فقط ب:
- رقابة فعلية على الأسواق، وليس بعد وقوع الأزمة فقط.
- حماية العمالة غير المنتظمة من آثار التضخم.
- ربط الأجور والمعاشات بمعدلات التضخم.
- إعلان دوري وشفاف عن نتائج حملات ضبط الأسعار.
- توسيع مظلة الدعم لتشمل الأسر التي تدهورت أوضاعها الاقتصادية حديثًا.
يا سيادة رئيس الوزراء إن لم تضع في حسابك ذلك، سنظل جميعًا نحسب الأيام، ونربط البطون، ستترك لمصر تركة من جيل محروم، فالحكومة رفعت الحد الأدنى للرواتب، نعم، لكن نصف الشعب خارج المنظومة، ورفعت أسعار البنزين، نعم، لكن نصف المجتمع لا يملك المال لدفع فاتورة واحدة. وكل يوم يمر بدون معالجة حقيقية لتغول الأسعار، هو يوم يضاف إلى معاناة الملايين، الذين يضحون بالكرامة، وفي بعض الحالات، بالصحة، فقط من أجل وجبة واحدة تكفي للبقاء على قيد الحياة.


