سوق الدواء.. بين غياب المستورد وتحديات البدائل المحلية وارتفاع الأسعار

لماذا يتناقص الدواء بالرغم من تخطي إنتاجنا نسبة 93%؟

تحقيق: ميري وصفي

  • نسبة الأدوية المنتجة محلياً في مجال الأورام ارتفعت من 47% إلى 64%.
  • المرضى يصرخون من ارتفاع سعر الدواء والخبراء يطالبون بمرونة التسعير!
  • التسعير الجبري... كيف يؤدي لتوقف الإنتاج ونقص الدواء؟
  • 154.7 مليار جنيه مبيعات الأدوية في 2023: ارتفاع 25% مقابل تراجع الوحدات 7.3%.
  • الديون على هيئة الشراء الموحد بلغت 43 اعتباراً من مليارات الجنيهات فأثرت على توريد الأدوية.
  • المرضى: انخفاض فعالية البدائل المحلية.. والمسؤولون يؤكدون غياب الثقافة الدوائية.

رغم أن مصر تُعلن تحقيق الاكتفاء الذاتي بنسبة تتجاوز 93% من إنتاج الدواء، ورغم التوسع الكبير في مصانع الدواء والمستلزمات الطبية، ما زال سؤال «نقص الدواء» حاضراً بقوة في شكاوى المرضى وعلى أرفف الصيدليات. مفارقة تفرض نفسها: كيف يتناقص الدواء في سوق يُقال إنه شبه مكتفٍ ذاتياً؟ وهل ما يُوصف بالنقص هو غياب حقيقي للمركب الدوائي أم غياب لاسم تجاري بعينه؟

بين أرقام رسمية تؤكد الوفرة، وتجارب مرضى يبحثون عن علاج لا يجدونه، يفتح هذا التحقيق ملف نواقص الدواء في مصر، محللاً أسبابه الهيكلية والاقتصادية، ومفككاً الفارق بين «نقص الدواء» و«نقص العلامة التجارية»، وصولاً إلى الحلول الممكنة في ظل سعي الدولة لتوطين صناعة الدواء باعتبارها أحد ملفات الأمن القومي، والتي تم إدراجها ضمن خطة استراتيجية طموحة تسعى إلى جعل مصر مركزاً إقليمياً في هذه الصناعة، وتقليص الاستيراد وتلبية احتياجات السوق المحلي اعتماداً على الشركات الوطنية، لكن النقص الذي يعاني منه السوق حالياً يثير التساؤلات حول تعثر هذا الهدف.

على مستوى الشارع، لا يتحدث المرضى بلغة النسب المئوية ولا خطط التوطين، بل بلغة البحث اليومي عن دواء اعتادوا عليه ثم اختفى فجأة من رفوف الصيدليات. يشكو مواطنون، خاصة مرضى الأمراض المزمنة، من صعوبة الحصول على أدوية أساسية مثل "جالفس ميت"، و"جلوكوفاج" لمرضى السكري، و"كولشيسين" لمرضى النقرس، و"ليفيال" و"سيكلوبروجينوفا" المستخدمين في العلاج الهرموني، إلى جانب أصناف متعددة من أدوية الضغط والسكر، وبعض أدوية الضغط والارتجاع والقولون، وأدوية للقلب، وحتى الإنسولين، وأدوية الغدة الدرقية، وغيرها.

وهكذا يضطر الناس للوقوف أمام صيدلية الإسعاف الشهيرة بوسط القاهرة، لتوفير نواقص الأدوية؛ حيث تمتد الطوابير يومياً لمرضى وذويهم، جاءوا من كل حدب وصوب من محافظات مصر باحثين عن أمل في إيجاد أدوية أساسية لحياتهم، فشلوا في العثور عليها بمدن كاملة.

ويؤكد عدد من المرضى أن البدائل المتاحة – رغم احتوائها على المادة الفعالة نفسها – لا تحقق لديهم الاستجابة العلاجية ذاتها، سواء لاختلاف الشركة المصنعة، أو طريقة الامتصاص، أو الآثار الجانبية، مما يدفعهم للبحث المتكرر عن الاسم التجاري المعتاد، أو التوقف القسري عن العلاج، أو التنقل بين الصيدليات بلا نتيجة. هكذا تتشكل لدى الجمهور قناعة بأن “الدواء ناقص”، حتى وإن كانت الأرقام الرسمية تشير إلى وفرة الإنتاج. ذلك فضلاً عن ارتفاع سعر حوالي 300 صنف تزامناً مع موجة اختفاء بعض الأصناف في النصف الأول من العام الحالي، وفقاً لشهادات الصيادلة.

صرخة المريض فوق اعتبارات السوق 

تشير المشاهد اليومية المؤلمة لطوابير المرضى أمام صيدلية الإسعاف، وبحثهم المضني في المحافظات عن جرعة دواء تقيهم الآلام، تؤكد أن الحق في العلاج ليس رفاهية خاضعة لمعادلات الربح والخسارة أو لغة الأرقام الصماء. عندما يعجز مريض السكري أو القلب عن إيجاد دوائه، فإن النتيجة المباشرة هي تهديد حق أساسي من حقوق الإنسان وهو "الحق في الحياة". إن صحافة المناصرة تفرض علينا هنا ألا ننظر للأزمة كخلل في سلاسل التوريد فحسب، بل كقضية إنسانية واجتماعية ملحة تتطلب وضع أنين المريض ومعاناته اليومية كأولوية قصوى تسبق أي حسابات تجارية لشركات الإنتاج أو التوزيع.

بدائل لا نواقص

يرد الدكتور أشرف حاتم، وزير الصحة السابق، على تساؤلات المرضى عن الأدوية الناقصة قائلاً: إن 93% من الأدوية الموجودة في السوق المصري، سواء كانت من إنتاج شركات دولية أو محلية، تُصنَّع بالكامل داخل مصر، بينما تمثل نسبة 7% من الأدوية غير المتوافرة في السوق نتيجة نقص توافر المواد الخام.

ويوضح حاتم: أن معظم الأدوية الخاصة ببعض الأمراض المزمنة لها ما يقرب من 13 مثيلاً، وذلك لأن بعض الشركات قد تمر بضائقة مالية تحول دون إنتاج الدواء المخصص لها، فتتولى شركات أخرى إنتاجه، ويُعد هذا المنتج مثيلاً للدواء الأصلي من حيث المادة الفعالة. وغير القادرين على شراء الدواء أمامهم مساران: إما الحصول عليه من خلال التأمين الصحي، أو عبر نظام نفقة الدولة. أما المواطن الذي يلجأ إلى السوق الحر، أي القطاع الخاص، لشراء الدواء، فإنه يتحمل التكلفة على نفقته الخاصة، وغالباً ما يحرص على شراء الدواء الأساسي بالاسم التجاري، ولا يبحث عن المثيل، رغم أن أنواعاً كثيرة مثيلة قد تكون متوافرة وتحمل نفس المادة الفعالة للدواء الأصلي.

ويشير حاتم إلى أن هناك بعض الأدوية الخاصة بالأمراض المناعية لا تُصرف عبر التأمين الصحي أو نفقة الدولة، نظراً لارتفاع أسعارها بشكل كبير، فضلاً عن أنها غير متوافرة بشكل دائم، لافتاً إلى أن عدم توافر هذه الأدوية لا يقتصر على مصر فقط، بل يمتد حتى إلى دول متقدمة مثل السويد وإنجلترا، حيث تلجأ تلك الدول إلى بعض المؤسسات الخيرية لتوفير جزء من هذه الأدوية، وليس جميعها.

ويضيف وزير الصحة السابق أن تكلفة علاج الشخص الواحد في حالات الأمراض المناعية أو الجينية قد تصل إلى 6 ملايين دولار، وهي تكلفة مرتفعة للغاية تشكل عبئاً على أي ميزانية دولة، سواء في مصر أو خارجها. وأوضح أن ذلك يعني أنه قد يتم إنفاق ميزانية الصحة بالكامل على علاج نحو 100 مريض فقط يعانون من مرض مناعي. وأكد أنه في مصر يتم اللجوء إلى بعض المؤسسات الخيرية، مثل مؤسسة مجدي يعقوب، ومرسال، ومصر الخير، وغيرها، في محاولة لتوفير هذه الأدوية للمرضى قدر الإمكان.

من جانبه، يقول الدكتور محيي حافظ، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الصناعات، في توضيح معنى كلمة «نواقص»، إنها تعني نقص الدواء سواء كان مستورداً أو منتجاً من شركات أجنبية (أي المنتج الأصلي ومثائله)، بمعنى المثيل له. أما عندما يكون النقص على مستوى الاسم التجاري أو العلامة التجارية للدواء، بينما يتوافر له مثيل بنفس المركب الدوائي من نوع آخر، فإن ذلك لا يُعد نواقص.

ولكن، مع الأسف الشديد، هناك بعض الأطباء ممن يتمسكون باسم تجاري معين، وفي هذه الحالة يلجأ المريض للبحث عنه بناءً على طلب الطبيب، ويكون هذا الدواء غالباً مرتفع السعر وغير متوافر، فيتكون لدى المريض انطباع بوجود نواقص. لذلك، على المريض عند الذهاب إلى الصيدلية لإحضار الدواء أن يبحث عن المثيل في حال عدم توافر الدواء الأصلي، وليس البديل؛ إذ إن البديل هو مركب دوائي آخر يؤدي نفس الوظيفة العلاجية، بينما المثيل هو نفس المركب الدوائي، ونفس الشكل الدوائي، وبنفس التركيز.

ويوضح حافظ أن هناك بعض المركبات التي يحدث بها نقص في الأدوية، وللأسف يكون هذا النقص أكثر وضوحاً في الأدوية المستوردة، وهو نقص لا يعني أنها مهربة، بل هي أدوية مسجلة بهيئة الدواء المصرية. وأكد أننا في مصر وصلنا إلى نسبة 93% من توافر الدواء المنتج محلياً، وقريباً سنصل إلى 94%، حيث تعمل هيئة الدواء المصرية على سد هذه الفجوة التي تمثل نحو 6% إلى 7%، وهي نسبة الأدوية المستوردة.

كما يشير حافظ إلى أن هذه الأدوية المستوردة، رغم قلتها من حيث العدد، فإن قيمتها المادية مرتفعة للغاية، إذ تمثل ما بين 25% إلى 30% من إجمالي مبيعات الأدوية، ومعظمها أدوية أورام وأدوية هرمونية مصنعة بتقنيات حيوية أو من مشتقات الدم، وهي التي تشكل النواقص الحالية. أما الأمراض المزمنة، فنادراً ما تكون أدويتها غير متوافرة، حيث إن النقص غالباً ما يكون في الأسماء التجارية وليس في المركب الدوائي نفسه، ولذلك لا بد من التفرقة بين نقص الدواء ذاته ونقص العلامة التجارية.

ويضيف الدكتور محيي أن غرفة صناعة الدواء تعمل، في حال وجود نقص في بعض الأدوية، على مخاطبة الشركات أو المصانع، بالتعاون مع الأطباء المختصين، لمحاولة توفير الدواء، إلى جانب توفير المثيل للمواطن. وهذا هو الدور الذي تقوم به إدارة النواقص بغرفة صناعة الدواء باتحاد الصناعات، إلى جانب التعامل مع مشكلات التسعير، أو توفير المواد الخام، أو المشكلات الفنية في التصنيع، حيث تتدخل الإدارة لمحاولة حل هذه المشكلات وتوفير المنتج، وهو ما يحدث بصورة يومية. موضحاً أن هيئة الدواء المصرية استطاعت الحصول على مستوى النضج الثالث من منظمة الصحة العالمية، بما يعني أن الدواء المنتج في مصر يُصنع وفق الضوابط والمعايير العالمية، وطبقاً لتعليمات ومنظومة منظمة الصحة العالمية.

سعر الدواء

أما عن سعر الدواء الذي قفز أضعافاً فيقول الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية بالغرفة التجارية، إن نظام التسعير الجبري الحالي لا يعكس التكلفة الحقيقية للإنتاج، مما يسبب خسائر للشركات ويدفع بعضها لوقف الإنتاج، ويؤدي إلى نقص أدوية حيوية مثل القلب والسكري والهرمونات، مستشهداً بأزمة عقار «كاردفسين» لعلاج ضعف عضلة القلب. وطالب عوف بمرونة أكبر في التسعير وإدارة النواقص، مع التأكيد على جودة الدواء المصري وضرورة تغيير وعي المستهلك تجاه البدائل المحلية.

في المقابل، أكد مسؤولو هيئة الدواء ونقابة الصيادلة أن وضع الدواء مستقر، وأن النواقص محدودة وطبيعية عالمياً، مع تحسن ملحوظ مقارنة بعام 2024، رغم وجود نقص مؤقت لبعض الأسماء التجارية بسبب نظم التوريد.

بينما انتقد الدكتور وحيد عبد الصمد، أمين عام نقابة الصيادلة السابق، أداء هيئة الدواء واعتبرها امتداداً لبيروقراطية قديمة، محذراً من تعارض سياسات التسعير وضعف الرقابة، ووجود بعض التجار يتحكمون في السوق، مؤكداً أن النقص الفعلي يشمل مئات الأصناف الحيوية، ويتفاقم بسبب أزمات الاستيراد والديون المتراكمة على منظومة الشراء الموحد.

ثقافة المريض

يقول الدكتور محمد البهي، عضو اللجنة العليا للدواء بوزارة الصحة، إن أسعار الأدوية ليست محل احتكار، لأن الدواء ليس سلعة خاضعة لإدارة المنتج أو المستورد، سواء كان دواءً مستورداً أو محلياً، إذ إن الأدوية تُسعَّر تسعيراً جبرياً بواسطة هيئة الدواء المصرية، فلا يرتفع سعرها ولا يتحرك، ولا يستطيع صانع الدواء تحريك السعر من تلقاء نفسه. فضلاً عن أن للدواء فترة صلاحية، واحتفاظ أي جهة به يؤدي إلى فقدانه صلاحيته، مما قد يترتب عليه خسارة قيمته بالكامل، في حال صح احتكاره.

ويضيف أنه في السابق كانت هناك مقاومات كثيرة لتحريك سعر الدواء بما يتناسب مع ارتفاع التكلفة، ولم يكن هناك من الوزراء من يستجيب، ولكن بعد إنشاء هيئة الدواء المصرية وتولي الدكتور علي الغمراوي رئاسة الهيئة، وبتوجيه من اللجنة المشكلة من مجلس الوزراء للنظر في أسعار الأدوية، كان الهدف هو محاصرة خسائر الأدوية التي تحملتها شركات الدواء، والتي أدت إلى توقف عدد من المصانع عن الإنتاج خلال العامين الماضيين، خاصة مع ارتفاع قيمة العملة. ويوضح أن كثيراً من المصانع توقفت عن الإنتاج، لأنه لا يمكن أن تكون تكلفة الدواء أضعاف سعر بيعه.

وما يحدث داخل هيئة الدواء هو دراسة تحريك أسعار الدواء لمحاصرة الخسائر، على أن يكون التحريك في إطار محاصرة الأسعار وليس زيادتها بالكامل، تحقيقاً للعدالة في سعر الدواء، خاصة أن سعر الدواء المستورد يفوق سعر الدواء المصري بما يصل إلى ثمانية أو عشرة أضعاف. ولذلك فإن تحريك السعر يتم على فترات لتجنب إرهاق المريض المصري برفع السعر دفعة واحدة، لا سيما مع عدم تغطية التأمين الصحي لكل شرائح المجتمع. وفي حال كان الدواء يحقق خسائر أو مكاسب، يتم تحريك الأسعار بشكل تدريجي وعلى فترات متباعدة، ولا يحدث رفع مفاجئ من قبل صانع الدواء أو مستورده، إذ توجد لجان مختصة تراجع أسعار الخامات وتكلفة الإنتاج، ثم تضع هامش الربح على السعر النهائي للدواء، بما لا يتجاوز قيمة معينة، وهو ما يُعد تسعيراً جبرياً لا يستطيع أحد تغييره من تلقاء نفسه.

ويؤكد أن هناك ثقافة سائدة لدى المرضى تتمثل في البحث عن الاسم التجاري للدواء وليس البديل أو المثيل، لوجود علاقة نفسية لديهم بأن الشفاء لا يتحقق إلا من خلال هذا الدواء بعينه. ولكن إذا لجأ المريض إلى الطبيب أو الصيدلي وسأله، فسيجد بدائل ومثائل عديدة للدواء نفسه. وقد تم التعامل مع هذا الأمر بهذه الكيفية، بدليل أننا لم نسمع عن نقص حاد في الأدوية حالياً، وخلال العامين الماضيين لم نسمع عن نقص كبير في كثير من الأدوية لوجود مثائل لها. ويشير إلى أننا نتعامل أحياناً مع معلومات قديمة تم تجاوزها، فمع تحريك سعر الدواء عاد التوافر، إذ لا يمكن لشركات الدواء أن تعمل بهدف الخسارة، ولا يمكن لأي جهة أن تنتج دواءً وتحقق خسائر وتستمر في الإنتاج، ولذلك أُعيد النظر في أوضاع الشركات والمصانع.

ويضرب مثلاً بدور هيئة الدواء عند النظر في الأسعار، حيث تنظر إيجاباً وسلباً؛ فعند انتهاء فترة الحماية لأي دواء، تنخفض قيمة المادة الفعالة نتيجة وجود لاعبين آخرين في الأسواق، مثل الهند والصين، في مجال المواد الفعالة. وفي هذه الحالة، تنظر الهيئة: فإذا زاد سعر الدواء نتيجة ارتفاع التكلفة أو سعر الدولار أو الشحن البحري، يتم تحريك السعر بنفس نسبة الزيادة، وإذا انخفض السعر نتيجة انتهاء فترة الحماية ولجوء الشركات إلى شراء المواد الفعالة من دول تقل أسعارها كثيراً عن السعر الأوروبي أو الأمريكي، تبدأ الهيئة أيضاً في خفض الأسعار. وتعمل الهيئة وفق سياسة الخفض أو الزيادة دون أن يشعر المواطن بذلك، لأن المنظومة كلها تخضع لتسعير جبري، سواء صانع الدواء أو المخازن أو شركات التوزيع أو الصيدليات، ولا يتم الترويج لذلك، لكن المواطن يفاجأ بأدوية كانت أسعارها مرتفعة جداً وقد بدأت في الانخفاض خلال الفترة الماضية.

ويؤكد الدكتور محمد أن منظمة الغذاء والدواء الأمريكية تقوم بشكل دوري بمراجعة الأدوية ومراقبتها خلال فترات تداولها بعد إجازتها، بحيث إذا ثبت تسببها في آثار جانبية خطيرة يتم وقفها ومنع تداولها، وهو أمر وارد. وفي هذا الإطار، تمتثل هيئة الدواء المصرية للقرارات الصادرة سواء عن منظمة الصحة العالمية أو هيئة الغذاء والدواء، سواء بالتحذير أو المنع أو سحب الأدوية التي يثبت ضررها أو تسببها في أمراض خطيرة. كما تعمل هيئة الدواء بشكل دوري على خطوط الإنتاج، حيث يُخطر كل من ينتج تشغيلة دواء الهيئة، إلى جانب وجود مفتش من المعامل المركزية يأخذ عينة من سير الإنتاج، ولا يتم الإفراج عن التشغيلة إلا بعد التأكد من أمان وسلامة الدواء.

ويضيف البهي قائلاً: إن 93% من الأدوية تمثل استهلاك المريض المصري، وهي النسبة التي تُقاس بالوحدات، بينما 7% تمثل القيمة، وهي أدوية منقذة للحياة للأمراض المزمنة، وتُعد أسعارها مرتفعة مقارنة بالأدوية الأخرى المتوافرة على رفوف الصيدليات والتي تُصرف دون وصفة طبية. ويشير إلى أن بعض المصانع المصرية بدأت في الحصول على الجودة العالمية من منظمات دولية، وبدأت في إنتاج بعض أدوية الأورام والإنسولين البشري، وهو ما ساهم في تقليل الاستيراد، مؤكداً أننا نسير على هذا النهج بشكل جيد جداً من خلال هذه المصانع وبنسبة مرضية.

ويضيف الدكتور محمد أن المرضى في مصر يتعاملون مع الدواء بالاسم التجاري، ولا يعرفون المادة الفعالة أو الاسم العلمي للدواء، في حين أنه طبقاً لقانون تسجيل الأدوية، فإن كل دواء أصلي له 11 بديلاً مسجلاً بنفس المادة الفعالة. وعندما يتحدث المريض عن نقص، فإنه غالباً ما يقصد نقص منتج بعينه باسمه التجاري، رغم توافر بدائل له، بدليل أن هيئة الدواء المصرية لديها خط ساخن يتصل به المواطن، فيرشده إلى البديل. ويوضح أنه حالياً معظم الأدوية متوافرة ولا توجد بها نواقص، باستثناء بعض الأدوية الجديدة التي تتمتع ببراءة اختراع، وتحظى بحماية لفترة زمنية معينة لا يُسمح خلالها بإنتاجها من أي جهة أو شركة أخرى بنفس المادة الفعالة. وعند انتهاء هذه المدة، تبدأ الشركات في استخدام نفس التركيبة وإنتاج الدواء، ويُعرف حينها بالدواء المثيل الذي يماثل الدواء الأصلي. وفي المقابل، تسعى الشركات العالمية دائماً، من خلال البحوث الدوائية، إلى تطوير بعض الأدوية وإضافة مواد فعالة أو مكونات أخرى بعد انتهاء فترة الحماية، لتطرح أجيالاً جديدة من الدواء بأسعار أعلى كثيراً، لكنها تكون مختلفة عن الدواء الأصلي الذي انتهت فترة حمايته وأصبح يُنتج في العالم كله. ويشير إلى أن هذا التوجه يتم حالياً من خلال إنشاء مدينة الدواء، وتوفير بعض الخامات الدوائية الفعالة لزيادة القيمة المضافة للدواء، وهو ما اتضح خلال فترة جائحة كورونا، حين منعت أغلب الدول بيع الأدوية أو الأمصال واحتفظت بها لشعوبها، وهو ما جعل الدولة المصرية تُدرك ضرورة تحقيق تكامل في صناعة الدواء عبر إنشاء صناعة للخامات الدوائية.

مصر رائدة في إنتاج الدواء

الجدير بالذكر أن الدكتور علي الغمراوي، رئيس هيئة الدواء المصرية، كان قد صرح سابقاً بأن: مصر رائدة في مجال الدواء والمستلزمات الطبية حيث تضم 179 مصنعاً للأدوية و150 للمستلزمات الطبية و4 مصانع للمنتجات البيولوجية و5 مصانع للمواد الخام الدوائية، وأن مصر تسعى لتكون مركزاً إقليمياً لتصنيع وتصدير المستحضرات الحيوية إلى جانب إنتاج 208 مستحضرات دوائية، ونسبة الأدوية المنتجة محلياً في مجال الأورام ارتفعت من 47% إلى 64%.

 نحو سياسات دوائية تنحاز للمواطن أولاً 

واخيرًا هل يجب أن نكتفي بمساءلة الأرقام، أم ينبغي على صُنّاع السياسات الدوائية والصحية في مصر اتخاذ خطوات شجاعة تنحاز للمواطن البسيط؛ إن إلزام الأطباء بكتابة الدواء بـ "الاسم العلمي" وليس "التجاري" بات ضرورة قومية لإنهاء الأزمات النفسية والتجارية المفتعلة حول النواقص. كما نطالب هيئة الدواء المصرية بتسريع مراجعة أسعار الخامات وتوسيع مظلة التوطين الحقيقي لتشمل المواد الفعالة الحيوية وليس التعبئة فقط، مع ضرورة فض التشابكات المالية والديون المتراكمة على منظومة الشراء الموحد لضمان التدفق المستدام للأدوية المنقذة للحياة، حتى لا يدفع المريض المصري، من صحته وقوته اليومي، ثمن البيروقراطية أو تقلبات السوق.

استطلاع رأي

قرارات الاستبعاد من الدعم .. هل تعكس معايير الحذف الأخيرة من بطاقات التموين (امتلاك سيارة أو المدارس الخاصة) الأوضاعة الاقتصادية الحقيقية للأسر المصرية؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

قصص لابد من قراءتها

حنان فكري
رئيس التحرير

“كاتبة وصحفية استقصائية مصرية، تشغل موقع مساعد رئيس تحرير جريدة ‘وطني’. تجمع مسيرتها المهنية الممتدة بين الإعلام البيئي (كباحثة دكتوراه في صحافة المناصرة وماجستير العلوم البيئية من جامعة عين شمس) والعمل الإنساني التمكيني (بكالوريوس العلاج النفسي والمشورة لضحايا الإيذاء الجنسي). شغلت سابقاً عضوية مجلس نقابة الصحفيين ورعاية صالون ‘المواطنة’، وتلتقي بقرائها دورياً عبر عمودها ‘جر شكل’.”

شارك بقصتك

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x