النيل الأزرق يتمرد بسبب السد الإثيوبي.. و"منتدى حوض النيل" يطرح الدبلوماسية الشعبية حلاً- إنفوجراف

متابعة- حنان فكري

 من قلعة الحريات.. منتدى حوض النيل يعلن دعمه للموقف المصري في مواجهة القرارات الأحادية لإثيوبيا

بينما كانت أنظار المصريين والسودانيين معلقة بسماء إثيوبيا ترقب غزارة الأمطار وتدفق النيل الأزرق، فوجئ الجميع بقرار السلطات الإثيوبية فتح بوابات السد الإثيوبي المُسمى بـ "سد النهضة"، لتصريف كميات هائلة من المياه بعد أن تجاوز الخزان مستويات التخزين المعتادة. وقد أثار هذا الحدث جدلاً إقليمياً واسعاً حول أمان السد وإدارته، وأعاد إلى الواجهة أسئلة قديمة حول مخاطره على دول المصب، لا سيما مع تذبذب فتح بوابات السد سواء بالتصريف أو الحجب، وعلاقة ذلك بالفيضانات العنيفة التي تتعرض لها جمهورية السودان حالياً.

وسط هذا المشهد المضطرب، جاءت الندوة التي انعقدت مؤخراً حول تأثير السد على مصر والسودان في مقر نقابة الصحفيين بالقاهرة، تحت عنوان "التداعيات المترتبة على قرار الحكومة الإثيوبية الأحادي بتشغيل السد على النيل الأزرق"، بمشاركة المنتدى الوطني لحوض النيل وجمعية كتاب البيئة والتنمية. وجاء ذلك تزامناً مع اليوم العالمي للأنهار، والذي يُحتفل به سنوياً بمبادرة من الأمم المتحدة للتذكير بأن الأنهار هي شريان الحياة للشعوب منذ عام 2005 في الأسبوع الأخير من شهر سبتمبر من كل عام.

تحول اللقاء من مجرد نقاش حيوي إلى محاولة جادة لالتقاط أنفاس الحقيقة؛ حيث تحدث فيها الخبراء عن محدودية السعة التخزينية أمام فيضانات استثنائية، وعن غياب الشفافية الذي يجعل من كل قرار إثيوبي صدمة مفاجئة لدول المصب. وطرح الخبراء والمشاركون أسئلة جوهرية حول قدرة السد على استيعاب الأمطار الغزيرة، وما إذا كانت عمليات التصريف المفاجئ تُنذر بمخاطر على السودان ومصر، وما هي الأضرار المباشرة وغير المباشرة لتشغيل السد بقرار غاب عنه التنسيق بين دولة المنبع (إثيوبيا) ودولتي المصب (مصر والسودان)، وهذا ما تجيب عنه السطور التالية.

خلفية القرار الأحادي

وفقاً لبيان وزارة المياه والطاقة الإثيوبية الصادر في سبتمبر 2025، أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بدء التشغيل الأحادي للسد الإثيوبي الذي يتم تشييده على النيل الأزرق منذ 14 سنة وسط اعتراضات مصرية سودانية. وبينما أكد آبي أحمد أن تشغيل السد يمثل "إنجازاً تاريخياً" لمشروع وطني استراتيجي لإنتاج الطاقة الكهربائية في بلاده، أصدرت وزارة الخارجية المصرية بياناً اعتبرت فيه هذا الإجراء الأحادي خرقاً للاتفاقات والقوانين الدولية المنظمة للأنهار المشتركة، مؤكدة في بيانها الرسمي أنها "لن تعترف بأي إجراءات أحادية تخص تشغيل السد"، وأنها متمسكة بحقوقها المائية كاملة. ومن جانبها، أكدت وزارة الخارجية السودانية في بيانها الرسمي أن السودان يرفض أي خطوات أحادية تتعلق بتشغيل سد النهضة، مشددة على أن مثل هذه القرارات تؤثر بشكل مباشر على أمنه المائي وسلامة منشآته المقامة على نهر النيل.

فتح البوابات والفيضانات

وسط هذا المشهد الضبابي، وقعت الفيضانات العنيفة في السودان. ووفقاً لتقارير خبراء محليين وأكاديميين نشرتها وكالة "أسوشيتد برس"، فإن مشكلة تشغيل التوربينات وعدم التصريف التدريجي للمياه بعد موسم الأمطار أدت إلى تراكم مخزوني كبير؛ مما جعل تصريف المياه عبر البوابات عاملاً مساهماً في ارتفاع منسوب النهر داخل السودان بشكل مفاجئ.

كما سجلت وحدات الرصد المحلية بوزارة الري والموارد المائية السودانية ارتفاعاً ملحوظاً لمنسوب المياه على مدار أيام متعددة، وأصدرت الوزارة تحذيرات وبيانات طوارئ لولايات الخرطوم، والنيل الأزرق، والجزيرة، وسنار وغيرها، مبيّنة أن تدفقاً زائداً من مصادر متعددة (الفرعين الأزرق والأبيض) أدى إلى دخول مستويات فيضانية غمرت المناطق المنخفضة، وذلك وفقاً لما رصدته رادارات الوزارة ووحدات الإنذار المبكر بها.

أضرار مباشرة وغير مباشرة

شرح الدكتور يسري خفاجة، عضو منتدى حوض النيل والمتحدث الإعلامي السابق لوزارة الري المصرية، طريقة تشغيل السد قائلاً: "إن السد يولد الكهرباء من خلال حركة التوربينات، وتُحدد هذه القدرة بعدد التوربينات وارتفاع كل توربينة وكمية المياه المتدفقة". وأكد أنه كان يمكن تنفيذ السد بمواصفات هندسية تحقق الهدف الإثيوبي الخاص بتوليد الكهرباء دون الإضرار بمصر والسودان، لكن الواقع الحالي يشير إلى وجود أضرار جسيمة على الدولتين، سواء في أوقات الفيضانات أو في فترات الجفاف.

وأوضح الدكتور يسري خفاجة أن ما يحدث في السودان ليس أمراً معزولاً؛ فللسد أضرار مباشرة على الأمن المائي المصري، فضلاً عن التبعات غير المباشرة الممتدة إلى قطاعات الزراعة والتعليم والصحة؛ لأن الميزانيات التي كانت متوفرة لتلك البنود التنموية سوف تُوجه إلى بند مكافحة تأثيرات السد الضارة على الأمن المائي وتعويض الفاقد منه. وأشار إلى أن غياب التنسيق قد يؤدي إلى خفض التدفقات المائية إلى مصر، خصوصاً في سنوات الجفاف، مما يزيد من ضعف الإمداد المائي لمصر التي تعتمد بنسبة شريانية على مياه النيل، مؤكداً في حديثه أن السد كان ينبغي أن يُصرف تدريجياً وبإشراك دول المصب.

تعطل التوربينات يربك الحسابات

وتؤكد التقارير الرسمية السودانية رأي الدكتور يسري؛ حيث أفادت بأن غياب التصريف التدريجي وتوقف بعض التوربينات تسببا في تدفق مفاجئ وارتفاع غير متوقع للمناسيب في السودان، خاصة مع قرب سد الروصيرص (على بعد 100 كم فقط) وصغر سعته التخزينية؛ في حين ظل التأثير المباشر على مصر أقل حدة بفضل السعة التخزينية الكبيرة لبحيرة ناصر خلف السد العالي.

وفقاً للتقارير الرسمية المصرية، فإن السد العالي استقبل منذ مطلع سبتمبر نحو 6 مليارات متر مكعب من المياه (4 مليارات تم توجيهها للتخزين، و2 مليار للاستهلاك المباشر)، وأن منسوب بحيرة ناصر في وضع مطمئن. ورغم ذلك، فإن غياب التنسيق وتبادل المعلومات حول تشغيل بوابات المفيض والتوربينات يربك خطط تشغيل السدود المصرية والسودانية، ويؤثر سلباً على جدولة عمليات الزراعة والري.

وفي السياق ذاته، أشارت مصادر أجنبية وإقليمية موثوقة إلى ذات المخاوف التي أبداها خفاجة؛ إذ أوضحت التقارير أن خزان السد الإثيوبي وصل لمستويات عالية جداً خلال موسم الأمطار، وأن وجود مياه فائضة وتخزين مكتمل كانا من بين الأسباب الرئيسية لفتح البوابات أو البدء في التصريف السريع لتفادي مخاطر الضغط الزائد على جسم الخزان؛ مما أثار تحذيرات من فيضانات عارمة في السودان جراء هذا التصريف المفاجئ، إلى جانب عوامل فنية وإدارية أخرى مثل سوء إدارة إطلاق المياه أو أعطال التوربينات التي ذكرتها التقارير. وكانت التقديرات السابقة تشير إلى أنه بحلول منتصف سبتمبر الماضي، سيصل الماء إلى الطاقة القصوى البالغة 74 مليار متر مكعب، إلا أن التصريف وقع بشكل أحادي مفاجئ من جانب إثيوبيا.

الأمر الذي يسلمنا إلى تحليلات خبراء هيدرولوجيا وأكاديميين نقلتها وسائل إعلام إقليمية تفيد بأن فتح بوابات السد للتصريف السريع، إلى جانب الأعطال التقنية في بعض التوربينات وعدم التفريغ التدريجي لخزان السد، تُعد كلها من العوامل الجوهرية التي زادت من شدة الفيضانات في ولايات السودان الواقعة على مجرى النيل الأزرق، وإن كانت الأمطار الموسمية الغزيرة نفسها هي اللاعب الرئيس في تغذية النهر.

ووفقاً لمنظمات دولية ومشاريع الإنذار المبكر المشتركة بين برنامج الأمم المتحدة للبيئة والمعهد الهيدرولوجي بالدانمارك (UNEP-DHI)، فإن إدارة السدود والتنسيق الفني المشترك عبر مشاركة بيانات التشغيل والتفريغ يقللان بشكل كبير من مخاطر الفيضانات في دول المنبع والمصب على حد سواء؛ أما غياب التنسيق أو حدوث أعطال تشغيلية مفاجئة فيؤدي حتماً إلى تفاقم مخاطر الفيضان في المناطق المنخفضة. وهذا يعني أن الجانب الفني والتنسيق الدولي قابلا للتصحيح والوقاية، لكن الحاجة إلى آليات إنذار مبكر وتعاون فني صارم تبدو واضحة وملحة.

من هنا، يبدو أن الأدلة المتاحة تُشير إلى أن الأمطار الموسمية القوية، وإن كانت هي العامل الأساسي في فيضانات السودان، فإن التصريف الفجائي من سد النهضة (بسبب فتح البوابات أو عدم التفريغ التدريجي) كان من العوامل المساهمة بقوة والتي زادت من شدة الفيضانات في مناطق عدة، وأن الإدارة الأحادية والتشغيل غير المنسق يعرضان دول المصب لمخاطر حقيقية.

مخاطر مؤكدة وسدود مستقبلية

حذر الدكتور طارق وفيق، وزير الإسكان الأسبق، خلال ندوة نقابة الصحفيين من عواقب تلك القرارات الأحادية، مشيراً إلى أن المخاطر التي يحملها السد الإثيوبي لمصر والسودان، سواء في سنوات الفيضان أو الجفاف، تشتد خطورتها بسبب غياب أي تنسيق من جانب إثيوبيا وانفرادها بالقرار، بل وإفصاحها عن نوايا تشييد سدود أخرى على مجرى النهر في المستقبل. وأوضح وفيق أن تلك المخاطر مؤكدة وليست مجرد احتمالات، وتأتي بناءً على معادلات وسيناريوهات علمية مدروسة، مؤكداً على ضرورة التنسيق الكامل بين منظمات المجتمع المدني وتوجهات الدولة في هذا الصدد.

وتتفق مع رأي الدكتور طارق وفيق تقديرات أكاديمية دولية كشفت عن أن هذا السد لا يمثل آخر المشروعات المائية الإثيوبية على النيل الأزرق، بل إن هناك خططاً مستقبلية لبناء سدود إضافية؛ غير أن القيود المالية والسياسية تجعل من الصعب تنفيذها في المستقبل المنظور، نظراً لكون بناء السدود يتطلب ظروفاً اقتصادية واستقراراً قد يستغرق تحقيقهما عقوداً من الزمن.

دور المجتمع المدني: "نهر واحد.. عائلة واحدة"

وفي سياق المناقشات التي جرت في نقابة الصحفيين حول تداعيات قرار إثيوبيا الأحادي بتشغيل السد، أدانت منظمات المجتمع المدني المنضوية تحت مظلة المنتدى الوطني لحوض النيل هذا القرار، معتبرة إياه انتهاكاً صارخاً للاتفاقيات الدولية، والبيان الرئاسي لمجلس الأمن الصادر عام 2021، وإعلان المبادئ الموقع بين مصر والسودان وإثيوبيا.

وفي هذا السياق، أوضح الدكتور عماد الدين عدلي، رئيس المنتدى الوطني لحوض النيل، أن المنتدى الذي تأسس عام 2001 كممثل للمجتمع المدني في دول الحوض، كان قد توصل عبر اجتماعاته السابقة—لا سيما لقاء أصحاب المصلحة في النيل الشرقي (مصر، وإثيوبيا، والسودان، وإريتريا)—إلى توافق استراتيجي يقضي بعدم إقامة أي مشروع على النهر إلا بموافقة جميع الأطراف، مع إمكانية اعتماد حلول فنية وتكنولوجية تحقق التنمية لشعوب المنبع دون الإضرار بدول المصب. كما أشار إلى أن المنتدى رفع منذ عام 2011 شعار "نهر واحد.. عائلة واحدة"، تأكيداً على وحدة المصير بين دول الحوض، ومشدداً على أن ما أقدمت عليه إثيوبيا يعد مخالفة صريحة للاتفاقات الدولية والمجتمعية.

الدبلوماسية الشعبية كطوق نجاة

وقدم الدكتور عماد الدين عدلي عرضاً شاملاً حول تاريخ تأسيس المنتدى الذي وُلد متزامناً مع إطلاق مبادرة دول حوض النيل الرسمية. وأوضح أن المنتدى يضم في عضويته عشر دول هي دول الحوض، إضافة إلى إريتريا بصفة مراقب؛ ففي الوقت الذي تمثل فيه المبادرة الحكومات، يمثل المنتدى صوت المجتمع المدني والشعوب، وقد أُعلن تأسيسه رسمياً عام 2001.

وأشار عدلي، الذي تولى رئاسة منتدى حوض النيل الجامع لكل دول الحوض لمدة سبع سنوات، إلى أن مفهوم "الدبلوماسية الشعبية" فيما يخص نهر النيل قد انبثق أساساً من هذا المنتدى. وتجلى ذلك في الاجتماع التاريخي الذي دعا إليه المنتدى وجمع أصحاب المصلحة في النيل الشرقي، حيث توافق الحضور على قاعدة أساسية مفادها عدم الشروع في أي مشروع على النهر إلا بعد الحصول على موافقة جماعية من جميع الأطراف، مع التأكيد على إمكانية إيجاد حلول فنية وتكنولوجية قادرة على تحقيق التنمية دون الإضرار بدول المصب. ولفت عدلي إلى أن مشاركة الوفد الإثيوبي في هذا الاجتماع لم تكن لتحدث من دون موافقة رسمية من الحكومة الإثيوبية، وهو ما عكس حينها جدية المسار، مستدركاً بأن ما يحدث الآن على أرض الواقع يختلف تماماً عن تلك التفاهمات.

من جانبها، أوضحت الدكتورة هالة يسري، أستاذة علم الاجتماع، دور المنتدى في توعية الشعوب بقضية السد الإثيوبي وأثره المباشر على مصر، كما أشادت بالبيان الذي أصدره المنتدى احتجاجاً على التشغيل الأحادي للسد دون موافقة من دول المصب، ثم تداركت قائلة: "إن عدم الموافقة والاعتراض لا يقتصران فقط على مرحلة التشغيل، بل يمتدان إلى مرحلة الإنشاء والمواصفات الهندسية التي لم تراعِ منذ البداية مصالح دول الحوض، وتحديداً مصر والسودان". وأسفرت النقاشات داخل الندوة عن قرار فوري بتأسيس لجنة إعلامية متخصصة تتابع القضية وتنشر بكافة اللغات، لتكون ذراعاً إعلامياً ودبلوماسياً داعماً للموقف الرسمي في مواجهة مخاطر السد الإثيوبي.

بيان سياسة الأمر الواقع

وأصدر أعضاء المنتدى بياناً شديد اللهجة يفيد بأن هذا السلوك الأحادي من جانب أديس أبابا إنما يكرس سياسة فرض الأمر الواقع، ويقوض أسس التعاون الإقليمي المنشود في إطار مبادرة حوض النيل، وينسف أحد أهم المبادئ التي تأسس عليها المنتدى الدولي لمنظمات المجتمع المدني لحوض نهر النيل (NBD)، والذي يعمل في تناغم تام مع المبادئ الأساسية لمبادرة حوض نهر النيل، وهي: المشاركة، والشفافية، والانتفاع المنصف والعادل والمستدام للموارد المشتركة.

تهديد المصالح المائية والأمن الإقليمي

وشدد المنتدى الوطني لحوض النيل في بيانه على أن استبعاد دولتي المصب (مصر والسودان) من المشاركة في إدارة وتشغيل هذا المشروع الحيوي يهدد المصالح المائية لشعوب وادي النيل، ويعرض الأمن والاستقرار الإقليمي لمخاطر جسيمة. كما أنه يتناقض تماماً مع فلسفة المنتدى الدولي لمنظمات المجتمع المدني لدول حوض النيل، والتي تتمثل في الشعار الذي تبناه منذ نشأته عام 2003 ("نيل واحد.. عائلة واحدة"). ويعيد البيان التذكير بأن المنتدى الدولي رفض اعتماد الاتفاقية الإطارية (اتفاقية عنتيبي) التي اعتمدتها مبادرة حوض نهر النيل وقت صدورها، نظراً لاعتراض مصر والسودان والكونغو الديمقراطية؛ حيث يتمسك المنتدى بمبدأ الإجماع فيما يخص هذه الاتفاقية التي ترفض وجود حصص تاريخية ثابتة لأي دولة من دول الحوض، الأمر الذي يهدد الأمن المائي لدولتي المصب تهديداً وجودياً.

المنتدى والحكومة المصرية.. يد واحدة

ومن منطلق إيمان المنتدى الوطني بأن نهر النيل يمثل شريان حياة لشعوبه كافة، فقد أعلن دعمه الكامل للموقف الرسمي لجمهورية مصر العربية، والذي عبرت عنه وزارة الخارجية في خطابها الموجه إلى مجلس الأمن الدولي، والذي شدد على رفض جميع الإجراءات الأحادية الإثيوبية، وعدم الاعتداد بأي تبعات قانونية أو سياسية أو فنية تنجم عنها. وأشاد المنتدى بما أبدته مصر عبر السنوات الماضية من التزام راسخ بالحلول السلمية، وضبط النفس، والاحتكام إلى قواعد القانون الدولي، رغم ما واجهته من تعنت وتسويف مستمرين من الجانب الإثيوبي.

تحذيرات من التضليل

وفي الوقت نفسه، أكد المنتدى أن أي محاولة لتضليل الرأي العام الدولي بادعاءات واهية حول السيادة المطلقة على النيل الأزرق لن تغير من حقيقة أن النهر مورد مائي دولي مشترك. كما رفض المنتدى استغلال مشروع السد لتحقيق أهداف سياسية ودعائية داخلية لإثيوبيا على حساب الحقوق التاريخية والقانونية لدول المصب. وفي هذا السياق، أكد المنتدى احتفاظ مصر بحقها الكامل في اتخاذ كافة الإجراءات والتدابير التي يكفلها القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة للدفاع عن أمنها المائي ومصالح شعبها.

ودعا المنتدى الوطني لحوض النيل، باعتباره جزءاً من المبادرة المدنية الإقليمية لحوض النيل، المجتمع الدولي والدول الأعضاء في المبادرة إلى تحمل مسؤولياتهم في مواجهة الانتهاكات الإثيوبية، والتمسك بمبادئ التعاون والعدالة والاحترام المتبادل، ضماناً لمستقبل آمن ومستدام لشعوب النيل كافة، تحقيقاً لشعار (نيل واحد.. عائلة واحدة).

وقد صدر هذا البيان بين أروقة مقر نقابة الصحفيين بالقاهرة في 28 سبتمبر 2025، خلال الندوة المنعقدة بالتعاون بين النقابة والمنظمات الأطراف في منتدى حوض النيل والمنظمات المؤيدة للبيان، وهي:

  • جمعية المكتب العربي للشباب والبيئة.
  • الشبكة العربية للبيئة والتنمية "رائد".
  • المنتدى المصري للتنمية المستدامة.
  • جمعية كتاب البيئة والتنمية.
  • جمعية شباب مصر للتنمية والبيئة.
  • الاتحاد العربي للشباب والبيئة.

ضرورة الاتفاق الملزم

جدير بالذكر أنه تزامناً مع ما دار من مناقشات مستفيضة في ندوة الصحفيين، دعا تحليل نشره "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" إلى وجوب إبرام اتفاق قانوني؛ حيث أكد المحللان أريج الحاج وبن فيشمان أن تشغيل السد في الوقت الحالي قد يثير أزمة مائية حادة في مصر والسودان إن لم يُبرم اتفاق ملزم ينظم إطلاق المياه والتدفقات المائية خلال فترات الجفاف أو الفيضانات العنيفة. ويرى المحللان أن الأمر بات يتطلب تدخلاً دبلوماسياً أمريكياً ودولياً واضحاً للتوسط في اتفاقية متوازنة تضمن المصالح الحيوية للدول الثلاث دون إجحاف.

وفي إطار مناصرة العدالة المائية وحماية دول المصب من التبعات الكارثية للإدارة الأحادية للأنهار المشتركة، حذر التقرير الدولي السنوي الصادر عن "المعهد الدولي لإدارة المياه" (IWMI) بالتعاون مع "برنامج الأمم المتحدة للإنمائي" (UNDP) حول أمن المياه العالمي، من أن "غياب التنسيق الفني المشترك وتبادل البيانات الفورية لتشغيل السدود الكبرى على الأنهار العابرة للحدود، وخاصة في حوض النيل الشرقي، يرفع احتمالية حدوث صدمات هيدرولوجية مفاجئة لدول المصب بنسبة تصل إلى 45%". وأكد التقرير أن "انفراد دول المنبع بقرارات الملء والتصريف يفرغ آليات الإنذار المبكر الإقليمية من مضمونها، مما يتسبب في فيضانات مدمرة غير متوقعة أو حالات جفاف اصطناعي تفاقم من حدة الفقر المائي وتضر بالأمن الغذائي والصحي لملايين السكان الاعتماديين على تلك المجاري المائية". (المصدر: "تقرير أمن المياه والتنمية المستدامة في الأحواض الدولية المشتركة"، المعهد الدولي لإدارة المياه / برنامج الأمم المتحدة الإنمائي).