وزيرة البيئة تدعو لحوار مجتمعي حول "التحول الأخضر العادل"

في يوم البيئة الوطني: مصر الثانية عربياً وأفريقياً في الالتزام بملف المناخ.. والبيئة تدخل محور الأمن القومي

حنان فكري

  • ياسمين فؤاد: حظر استيراد المخلفات أثمر وقوداً بديلاً.. وشراكة إماراتية لتدوير المخلفات الطبية والزراعية.
  • يمن الحماقي: الفساد يعوق التنمية المستدامة.. والفجوة عميقة بين البحث العلمي وقطاع الصناعة.
  • منال عوض: زراعة الطريق الدائري نموذج عملي لرؤية مصر الخضراء ضمن مبادرة "100 مليون شجرة".
  • "كُتّاب البيئة والتنمية" تحصد جوائز الإعلام في مسابقة المكتب العربي للشباب والبيئة.
  • بروتوكولات جديدة مع "المؤسسة الخضراء" لدعم التوظيف الأخضر وتمكين النساء في المحافظات.

لم يعد "التحول الأخضر العادل" مجرد خيار ترفيهي أو رفاهية تطرحها الأدبيات السياسية، بل هو ضرورة حتمية ورؤية إنسانية شاملة تستهدف صياغة توازن دقيق بين طموحات التنمية الاقتصادية وحماية البيئة، مع كفالة العدالة الاجتماعية. إن هذا التحول لا يقف عند حدود استبدال مصادر الطاقة أو تعديل أساليب الإنتاج، بل يمتد ليكون تحولاً عميقاً في قيم الأولويات المجتمعية، يضع "الإنسان" في قلب عملية التنمية مستفيداً حقيقياً وشريكاً فاعلاً.

وتحقيق هذه العدالة الخضراء يتطلب بالضرورة نظرة فاحصة ومسؤولة نحو أوجه عدم المساواة القائمة، لضمان وصول ثمار التحول إلى الجميع دون إقصاء أو تهميش، ولا سيما الفئات الأشد ضعفاً. وفي ضوء أهداف التنمية المستدامة، يتسع هذا المسار لبناء عالم أكثر إنصافاً، يتحمل مسؤولية حماية كوكب الأرض ويصون حقوق الأجيال القادمة في العيش بكرامة وازدهار.

ورصداً للآمال والتطلعات والتحديات التي تواجه هذا الملف في مصر، انطلقت سلسلة من الفعاليات تزامناً مع "يوم البيئة الوطني" (الموافق 27 يناير من كل عام، وهو تاريخ صدور أول قانون للبيئة في مصر). وجاء احتفال هذا العام تحت شعار يحمل رسالة مناصرة واضحة: "مصر خضراء مستدامة.. نحو اقتصاد دائري وتحول أخضر عادل". وبالرغم من التحديات الهيكلية الراهنة، فإن هناك حراكاً مجتمعياً ورسمياً يستحق القراءة، وهو ما نستعرضه في السطور التالية:

مفاهيم أساسية: ماذا يعني التحول الأخضر والاقتصاد الدائري؟

وفقاً لتقارير وكالة الطاقة الدولية والبنك الدولي، يُعرّف "التحول الأخضر" بأنه عملية الانتقال نحو نظام اقتصادي واجتماعي مستدام وصديق للبيئة، يستهدف تقليل الانبعاثات الكربونية، ومكافحة التغير المناخي عبر الاعتماد على الطاقة المتجددة (كالشمس والرياح والطاقة الكهرومائية)، ترشيد الموارد، وخلق "وظائف خضراء" تدعم الاستدامة.

وينبثق من هذا التحول مفهوم "الاقتصاد الدائري"، الذي يتبناه برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) ومؤسسة "إلين ماك آرثر". وهو نموذج بديل للاقتصاد التقليدي القائم على مبدأ (استخراج، إنتاج، تخلص). يعتمد الاقتصاد الدائري على إبقاء الموارد في دورة مستدامة لأطول فترة ممكنة من خلال: إعادة التدوير، الإصلاح، والتجديد (مثل تدوير البلاستيك، وإصلاح الأجهزة الكهربائية بدلاً من إلقائها، وتحويل مخلفات الطعام إلى سماد عضوي)، مما يحمي الموارد الطبيعية ويخلق قيمة اقتصادية مضافة.

البيئة في قلب الأمن القومي

في الاحتفالية الرسمية بيوم البيئة الوطني، أكدت الدكتورة ياسمين فؤاد، وزيرة البيئة، أن مصر أحرزت أهدافاً استراتيجية مهمة، أبرزها إدراج ملف البيئة تحت محور "الأمن القومي المصري" بعد عقود طُرح فيها الملف كنوع من الرفاهية.

وأعلنت الوزيرة أن منظمة "جيرمان واتش" وضعت مصر في المرتبة الثانية عربياً وأفريقياً في تقييم شمل 65 دولة حول العالم لمدى الالتزام بملف المناخ، كما قدمت مصر أول "تقرير شفافية" لسكرتارية الاتفاقية الإطارية لتغير المناخ بالأمم المتحدة. وشددت على أن "الحوار المجتمعي" هو الضمانة الحقيقية لأي تحول أخضر عادل، داعيةً المجتمع بكافة أطيافه للالتفاف حول هذا الملف.

واستعرضت الوزيرة ثمار قرار منع استيراد المخلفات الصادر قبل 4 سنوات، مؤكدة أنه ساهم في زيادة إنتاج الوقود البديل لمصانع الأسمنت، حيث تم توقيع 6 عقود جديدة لتدوير المخلفات وإنتاج الوقود. كما أشارت إلى تقنين أوضاع العمالة غير الرسمية في قطاع المخلفات، وإصدار تراخيص لأكثر من 300 شركة (كبيرة ومتوسطة وصغيرة) لتعزيز الاستثمار في هذا المجال، فضلاً عن شراكة استثمارية مع الجانب الإماراتي لإدارة المخلفات الزراعية والطبية.

وفي سياق مواجهة ظاهرة "السحابة السوداء"، أشارت الدكتورة ياسمين فؤاد إلى نجاح مشروع إدارة تلوث الهواء بالتعاون مع البنك الدولي في تدوير 98% من قش الأرز المجمع، وحطب الذرة والسمسم، مما منع 334 ألف طن من الملوثات في الدلتا، وهو الإنجاز الذي توج بحصول الوزارة على جائزة التميز الدولية في نظم المعلومات الجغرافي "Esri SAG Award 2024". كما أعلنت إدراج مصر ضمن 6 دول ستحصل على تمويل بقيمة 200 مليار دولار من صندوق المناخ الأخضر ومنظمة "فاو" لتنفيذ مشروعات الزراعة الذكية مناخياً.

تشجير الدائري.. خطة سبع سنوات تواجه التحديات

من جانبها، شددت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية، على أهمية التخطيط البيئي، معلنة أن الوزارة تتحمل العبء الأكبر في مبادرة "100 مليون شجرة" بزراعة 80 مليون شجرة. واعتبرت تشجير الطريق الدائري والمحاور الرئيسية بالقاهرة الكبرى نموذجاً عملياً لتحسين جودة الحياة البصرية وتنقية الهواء، عبر ري تلك المساحات بمياه الصرف المعالجة بالتنسيق مع وزارات البيئة، الإسكان، والزراعة.

وفي حلقة نقاشية حول آليات تنفيذ "الدليل الاسترشادي للتشجير"، أوضح الدكتور أيمن فريد أبو حديد، رئيس اللجنة الاستشارية ووزير الزراعة الأسبق، أن الدليل نتاج حوار مجتمعي استجابت له وزارة البيئة بقرار تشكيل اللجنة رقم 178 لسنة 2024، لضمان معايير الاستدامة وتوفير كميات المياه بالتنسيق مع وزارة الري.

واستعرض الدكتور عمرو ربيع، أستاذ التشجير والغابات بمركز البحوث الزراعية، الجدول الزمني للمبادرة الممتد لسبع سنوات (من 2023 حتى 2029)، حيث تتوزع الحصص بين: التنمية المحلية (80 مليون شجرة)، البيئة (13 مليوناً)، والإسكان (7 ملايين).

ورداً على الانتقادات الحادة الموجهة لـ "مذابح الأشجار" التي شهدتها بعض المناطق مؤخراً، أكد ربيع أن المبادرة تلتزم بقواعد الاستدامة لتعويض الأشجار التالفة، واختيار أنواع تتلاءم مع مناخ وطبيعة كل محافظة (سكنية، صناعية، أو محاور مرورية)، مع التركيز على الأشجار الخشبية استثمارياً عبر نموذج عقد موحد بمجلس الوزراء يتيح استغلال الغابات الشجرية بنظام حق الانتفاع للقطاع الخاص.

المجتمع المدني ومواجهة الفساد والفجوة العلمية

ضمن فعاليات المجتمع المدني، نظّم المكتب العربي للشباب والبيئة ورشة عمل تحت شعار: "الترابط بين المياه والنظم البيئية.. أسس التنمية المستدامة". وأكد الدكتور عماد الدين عدلي، رئيس المكتب، أن الفلسفة الحقيقية ليوم البيئة هي ربطه بالأداة التشريعية (القانون) لتنظيم الحماية البيئية، معلناً إطلاق 3 مسابقات لتعزيز الوعي.

وأشار الدكتور علي أبو سنة، رئيس جهاز شؤون البيئة، إلى أن الربط بين عناصر الطاقة والمياه والغذاء يواجه تحديات حقيقية تستدعي التحول للنظم الحديثة، لا سيما مع تغير معايير التصدير الدولية التي أصبحت تحكمها المواصفات البيئية.

وفي طرح اتسم بجرأة المكاشفة، أكدت الدكتورة يمن الحماقي، أستاذة الاقتصاد بجامعة عين شمس وعضو مجلس أمناء المنتدى المصري للتنمية المستدامة، أن الاستدامة تواجه معوقات هيكلية صارخة في مصر، على رأسها "غياب الترابط بين مخرجات البحث العلمي والواقع الصناعي والإنتاجي". وقالت الحماقي بانتقاد لاذع: "لقد أنفقنا مليارات الجنيهات وبنينا هياكل بلا تكامل.. نحن نبني طوباً ومباني لا يجد من يسكنها!". كما فجرت قضية محورية أخرى مؤكدة أن "الفساد المستشري" يمثل التحدي الأكبر الذي يقف عقبة أمام تحقيق التنمية المستدامة والربط المنشود بين ملفات الطاقة والمياه والأمن الغذائي.

إعلام البيئة يحصد الجوائز

وعلى هامش الفعاليات، قامت الدكتورة ياسمين فؤاد والدكتور عماد الدين عدلي بتوزيع جوائز مسابقة الإعلام البيئي السنوية. وحصدت "جمعية كُتّاب البيئة والتنمية" مركزين متقدمين؛ حيث فازت الصحفية شيرين سامي (جريدة العالم اليوم) بالمركز الأول عن ملفها الشامل حول ترابط "المياه والغذاء والطاقة"، ونالت الصحفية هند سعيد (وكالة أنباء الشرق الأوسط) المركز الثاني عن تقريرها الراصد لمشروعات الاستدامة بالمحافظات وقصص نجاحها. بينما ذهب المركز الثالث للمخرج السينمائي مهند دياب عن فيلمه الوثائقي الذي يبرز الدور التاريخي للمجتمع المدني في حماية البيئة.

وفي هذا الصدد، أشاد الدكتور محمود بكر، رئيس مجلس إدارة جمعية كُتّاب البيئة والتنمية، بالدور التوعوي للإعلام في تبسيط العلاقات المعقدة بين قضايا التغير المناخي والنمو السكاني واستنزاف الموارد الطبيعية.

بروتوكولات لـ "التوظيف الأخضر" وتمكين النساء

شهدت الاحتفالية توقيع بروتوكولين مشتركين؛ الأول بين جهاز شؤون البيئة و"المؤسسة الخضراء لأصدقاء البيئة والتنمية المستدامة" بالعاشر من رمضان، والثاني بين جهازي شؤون البيئة وتنظيم إدارة المخلفات.

وأوضحت منال العيسوي، رئيسة مجلس أمناء المؤسسة الخضراء، أن التعاون يهدف لتطبيق استراتيجية "مصر 2030"، عبر التركيز على "التوظيف الأخضر" (الوظائف التي تحافظ على البيئة وتحسنها وفق تعريف منظمة العمل الدولية) والتمكين الاقتصادي للنساء، ومواجهة التغيرات المناخية في المدن الجديدة، مؤكدة أن المجتمع المدني شريك أصيل للحكومة في صياغة الحوار المجتمعي.

التحديات القائمة وأزمة "الظلم البيئي العالمي"

لا يمكن فصل حتمية التحول الأخضر العادل عن سياق "العدالة الاجتماعية"، وهو ما يتطلب برامج تدريبية للشباب وتمويلات موجهة للمجتمعات الأكثر فقراً وتأثراً بالتغيرات البيئية. وفي هذا الإطار، يبرز "الظلم البيئي العالمي" كعقبة دولية، حيث تمارس الدول الكبرى انتهاكاً مستمراً بحق الدول النامية عبر التخلي عن التزاماتها المالية لدعم ضحايا التلوث الذي تسببت فيه المصانع الكبرى عالمياً.

وفي قراءة تحليلية لهذا البُعد الاقتصادي والاجتماعي، تقول الدكتورة دينا إبراهيم حسين، الأستاذ المساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة: "تعاني الدول النامية من تفاوتات طبقية واسعة وعميقة تضعها أمام عقبات هيكلية؛ فالمواطن المنشغل بنضاله اليومي لتأمين احتياجاته الأساسية يصعب عليه تبني فكرة الاستدامة، وهي الفكرة التي يجب بالضرورة أن تشمل السعي المستمر لرفاهية وازدهار كافة المواطنين دون استثناء".

خلاصة القول.. إن مسار التحول الأخضر العادل في مصر لا يزال يواجه تحديات جسيمة، في مقدمتها توفير التمويل والموارد الاستثمارية الضخمة في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة، وتنامي مشكلات معقدة كالتصحر، وندرة المياه، وتلوث الهواء، والزيادة السكانية، جنباً إلى جنب مع الفجوة التنموية بين الريف والصعيد. وهو ما يفرض تبني استراتيجيات وطنية شاملة تضمن توزيعاً عادلاً للموارد والفرص، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع.