على كتف الأرض.. حلول خضراء يحرسها الوعي لحماية الأرزاق

‫  حنـان فـكري

 "بيئة بلا حدود"و"كتاب البيئة والتنمية"  معا في "الحلول القائمة على الطبيعة"

"المانجروف"الصامد بين المناخ والاحتكار يعود للحياة على ساحل البحر الأحمر

"جرين طاقة".. منصة جديدة تربط المجتمعات النائية بالطاقة الشمسية

 عسل المانجروف.. ذهب سائل يفتح باب رزق للمجتمع المحلي

كتاب البيئة والتنمية: الإعلام شريك أصيل في مواجهة التغير المناخي ودعم التنمية المستدامة

 «على كتف الأرض» يقف بشرٌ لم يجدوا في الطبيعة عدوًا، بل حليفًا عنيدًا للرزق والحياة. هنا، في ظل شجرة مانجروف تشبّثت بجذورها كي لا يبتلعها البحر، وفي خلية شمسية تزرع الضوء في بيوتٍ حُرمت الكهرباء، وفي كلمة واعية تطرد جهلًا يقتل شريان الماء والهواء… هنا تتكئ الحلول الخضراء على وعي الناس، وتحرس أرزاقهم من عبث من لا يرى في البيئة إلا رصيدًا مستنزَفًا.

إننا اليوم نقف على حافة التغيرات المناخية، نعدّ خسائرنا من التلوث ونزيف الطاقة القذرة، بينما يُعيد المانجروف بناء السواحل، وتفتح المنصات الذكية أبواب الشمس للفقراء في واحات بلا كهرباء. كل شتلة، كل خلية طاقة، كل كلمة توعية… هي حزام أمان يحفظ حياة بسطاء يعيشون على كتف الأرض، ويحلمون أن يورثوها  لأحفادهم خضراء، صالحة، كريمة.

وهنا لا تكون الأشجار مجرد غطاء أخضر، ولا الطاقة النظيفة مجرد بديل اقتصادي، بل يصبح كل مشروع بيئي وعدًا بالحياة واستردادًا للعلاقة المفقودة بين الإنسان والأرض، إن إدارة المشاريع البيئية اليوم، من غابات المانجروف إلى حقول الطاقة المتجددة — هي خلاصة ما تبقى من وعد الأمل. ليعيد الإنسان اكتشاف علاقته بالأرض، أن ينحني ليزرع، أن يشارك ليحمي، أن يتعلم ليحيا، وأن يترك وراءه شاطئًا أكثر أمانًا لشجرةٍ تنمو وطفلٍ يبتسم وساحلٍ يقاوم.

من هذا المنطلق تأتي الشراكة بين كل من جمعية كتاب البيئة والتنمية، وجمعية "بيئة بلا حدود" اذ انظمت الجمعيتان ورشة عمل الأسبوع الماضي تحت عنوان: "نحو حلول قائمة على الطبيعة" بفندق بيت الشباب بمحافظة الاسماعيلية، بمشاركة الكتاب والصحفيين المهتمين بالنشر فى مجال البيئة والتنمية.

.ماذا تعني الحلول القائمة على الطبيعة؟

"الحلول القائمة على الطبيعة" تعني استخدام النظم البيئية وخدماتها الطبيعية لمعالجة التحديات البيئية مثل التغير المناخي والتلوث وتآكل السواحل. وتشمل هذه الحلول حماية النظم البيئية مثل الغابات والأراضي الرطبة والمانجروف واستعادتها وإدارتها بشكل مستدام، بحيث تقوم الطبيعة نفسها بدور خط الدفاع الأول عبر امتصاص الكربون وتقليل الفيضانات وحماية التنوع البيولوجي، ما يحقق توازنًا بين احتياجات الإنسان والحفاظ على الموارد.

ترتبط الحلول القائمة على الطبيعة مباشرةً برزق الناس، لأنها تحمي الموارد التي يعتمدون عليها في معيشتهم. فعلى سبيل المثال، استزراع غابات المانجروف يحافظ على الثروة السمكية ويمنع تآكل الشواطئ التي يعيش منها الصيادون. وإعادة تأهيل الغابات والأراضي الرطبة يعزز الزراعة المستدامة ويؤمن مصادر مياه نظيفة، مما يوفر فرص عمل ويحمي مصادر الدخل للأسر الريفية والساحلية. هكذا تتحول حماية الطبيعة إلى استثمار يضمن رزق المجتمعات ويعزز صمودها أمام الأزمات.

وحول دور الاعلام في بلوة الوعي لتوفير بيئة آمنة وفتح ابوب الرزق للناس، أكد دكتور محمود بكر رئيس جمعية كتاب البيئة والتنمية خلال كلمته في افتتاح اعمال الورشة، أن اللقاء يهدف إلى تعزيز فهم وتطبيق الحلول المستندة إلى الطبيعة " بعيدا عن التدخل الصناعي لاصلاح مشاكل البيئة، في مواجهة التغيرات المناخية وحماية النظم البيئية ، وسلط بكر الضوء على ما تقوم به جمعية بيئة بلا حدود من برامج واعدة في هذا المجال ودور الإعلام البيئى لنشر الوعى حول هذه القضايا.

وأكد بكر على أهمية الدور المحوري للإعلام البيئي في مواجهة التحديات البيئية المتلاحقة، ودعم جهود الدولة نحو تحقيق التنمية المستدامة، مشددا على أن رفع الوعي البيئي أصبح أولوية لا تحتمل التأجيل في ظل ما يشهده العالم من تصاعد المخاطر المرتبطة بالتغيرات المناخية والانبعاثات الكربونية والإخلال بالتوازن الطبيعي.

وأوضح د. محمود بكر، رئيس جمعية كتاب البيئة والتنمية، أن الجمعية التي تأسست عام 1995 بمبادرة الكاتب الصحفي وجدي رياض ورنده فؤاد، وبجهود رواد الصحافة البيئية، ظلت على مدار عقود ذراعًا مساندة لوزارة البيئة وشريكًا في توعية الرأي العام بمخاطر السلوكيات الضارة بالبيئة.

وأشار بكر إلى أن الدراسات الحديثة تُجمع على أن أي سياسة بيئية حكومية أو أكاديمية لن تنجح دون رأي عام واعٍ، وهو الدور الذي ينهض به الإعلام المتخصص، مستشهدًا برؤية العالم الراحل د. محمد القصاص الذي اعتبر الإعلام حجر الزاوية في تغيير السلوك البيئي.

وأضاف أن ثورة الاتصالات تفرض تطوير الخطاب الإعلامي لنشر المفاهيم البيئية السليمة، وخاصة القضايا التي تمس حياة الناس مثل التلوث وتغير المناخ والازدحام. وأوضح أن الجمعية وقّعت بروتوكولات تعاون مع وزارة البيئة، ومؤسسات ومبادرات كبرى مثل «ازرع شجرة» وكلية الإعلام والجمعيات الأهلية، وأطلقت تطبيق «جرين طاقة» لدعم التحول للطاقة النظيفة.

وأكد بكر أن الجمعية، التي تضم أكثر من 90 صحفيًا من مختلف المؤسسات، تواصل تدريب جيل جديد من الصحفيين البيئيين وتنظيم ورش ودورات متخصصة، إلى جانب تكريم أفضل الأعمال الصحفية سنويًا، تخليدًا لرموز الصحافة البيئية.

واختتم بالتأكيد على أن حماية البيئة مسؤولية مشتركة، وأن الجمعية ستظل شريكًا أصيلًا في توظيف الإعلام لخدمة أهداف التنمية المستدامة.

استزراع المانجروف

من جانبه استعرض الدكتور عادل سليمان رئيس جمعية بيئة بلا حدود والخبير فى مجال التنوع البيولوجى عددا من المحاور التي تساهم في دفع عجلة الوعي ومساعدة المجتمع المحلي، منها  الحلول القائمة على الطبيعة ، وهي الحلول القائمة على الطبيعة هي ممارسات أو سياسات أو تدخلات تستخدم العمليات والأنظمة الطبيعية لحل تحديات بشرية .

 وتابع سليمان : مثل استعادة الغابات والأراضي الرطبة للحد من الفيضانات بدلاً من بناء حواجز إسمنتية فقط.، إنشاء أسطح خضراء وحدائق حضرية لتقليل حرارة المدن وتحسين جودة الهواء.، حماية الشعب المرجانية وأشجار المانجروف لحماية السواحل من العواصف والأمواج. مشيرا الى ان ما يميز هذه الحلول هو دعم التنوع البيولوجي.، وتحقّيق منافع مشتركة للمجتمع والاقتصاد.، وغالبًا تكون أقل تكلفة على المدى البعيد من الحلول الصناعية البحتة. 

واستكمل دكتور عادل سليمان عرضه التقديمي خلال ورشة العمل، بالتركيز على استرزراع شجيرات المانجروف على ساحل البحر الأحمر، كمشروع بيئي يحمي الشواطئ ويعزز السياحة، ولزراعة اشجار المانجروف اهمية اقتصادية وبيئية كبرى تتعلق مكافحة التغيرات المناخية عبر مساهمة المانجروف في امتصاص كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، وتعمل كأحد أهم مستودعات «الكربون الأزرق» بقدرتها على امتصاص غازات الاحتباس الحراري. وكذلك حماية الشواطئ من التآكل بفعل الأمواج والتيارات البحرية من خلال تثبيت التربة.

وفي هذا الصدد قال دكتور عادل سليمان: هذه الشجيرات توفر موائل آمنة لصغار الأسماك والكائنات البحرية، وتدعم معيشة المجتمعات المحلية عبر فرص عمل مستدامة وصيد صحي، فضلًا عن مساهمتها في تنقية المياه والحفاظ على التنوع البيولوجي للشعاب المرجانية المحيطة.

وتابع سليمان: جمعية بيئة بلا جدود تنفذ مشروع اكثار المانجروف، ويهدف المشروع إلى صون وإكثار أشجار المانجروف داخل محمية وادي الجمال بالبحر الأحمر، في مبادرة تُعد الأولى من نوعها منذ أكثر من عقد. ويُعد المشروع علامة فارقة في تطبيق مبادئ «الاقتصاد الأزرق» في مصر، ويعني الاقتصاد الازرق "الاقتصاد الأزرق يعني استخدام موارد البحار والسواحل بشكل مستدام لتحقيق التنمية وحماية البيئة معًا".مستفيدًا من الأهمية الحيوية لأشجار المانجروف في امتصاص الكربون ومكافحة آثار التغيرات المناخية، بما يتماشى مع أهداف الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050.

وبحسب رئيس جمعية بلا حدود، نجحت الجمعية حتى الآن في إكثار 5000 شتلة داخل الصوبة الزراعية التابعة للمحمية، بالإضافة إلى إنتاج 4000 شتلة بالتعاون مع مركز بحوث الصحراء. كما جرى زراعة 8000 شتلة في موقعين من المواقع الأربعة المستهدفة داخل نطاق المحمية.

ويمتد الأثر المجتمعي للمشروع ليشمل حوالي ألفي فرد من سكان المجتمعات المحلية من خلال فرص المشاركة في الأنشطة البيئية، ما يسهم في خلق فرص عمل ودعم رؤية مصر 2030 في بعدها البيئي والاجتماعي.

تحديات احتكار الإكثار

وأكد دكتور عادل سليمان، رئيس جمعية «بيئة بلا حدود»، إن مشروع استزراع المانجروف على سواحل البحر الأحمر، خاصة في محمية وادي الجمال، يمثل خط الدفاع الطبيعي الأول ضد التآكل والفيضانات، لكنه يواجه تحديات معقدة أبرزها التغيرات المناخية وارتفاع مستوى سطح البحر، إضافة إلى التلوث وإدارة النفايات بشكل غير ملائم. وأوضح أن هناك محاولات لاحتكار إكثار شتلات المانجروف مما يعطل التنمية، إلى جانب ندرة الموارد وضعف التمويل وغياب التوعية المجتمعية الكافية رغم أهمية المانجروف في تخزين الكربون الأزرق وحماية الشواطئ. وأكد استمرار الجمعية في جهودها لحماية هذه الغابات الساحلية الحيوية، بالتعاون مع الوزارات المعنية والمؤسسات التعليمية، لضمان بقاء المانجروف حصنًا أخضرًا يواجه تغير المناخ.

تطبيق "جرين طاقة"

جاء المحور الثاني من ورشة العمل حول الطاقة النظيفة، وفي هذا الصدد اوضح دكتور عادل سليمان قائلا: تعيش أُسرٌ كثيرة على هامش خدمات الطاقة الحديثة، فنمو تلك المجتمعات يعد مؤشرا للتغيير، وهو ما دفع جمعية بيئة بلا حدود نحو خطوة مبتكرة، وهي إطلاق منصة «جرين طاقة» بالتعاون مع شركة IBM العالمية، بهدف تسهيل وصول المجتمعات المحلية، وخاصة في المناطق النائية والمحمية، إلى مصادر الطاقة النظيفة، وتعزيز ثقافة استخدامها بما يدعم جهود مصر نحو مستقبل منخفض الكربون.، وتطبيق “جرين طاقة” المتاح مجانا لخدمة المواطنين للتعرف على أهمية الطاقة النظيفة والتغلب على معوقات استخدامها. مشيرا الى ان كل مساعدة يقدمها المجتمع المدني للمجتمعات المحلية النائية، تعكس الالتزام  بقضايا الاستدامة.

وتفتح منصة «جرين طاقة» أفقًا جديدًا يربط الناس بالشمس. للاستفادة من الطاقة الشمسية، مشروع علمي بجهد أهلي وشراكة عالمية، يقدّم نموذجًا مبتكرًا لوصول الطاقة النظيفة إلى بيوت الصحراء ومنازل المحميات، ويمنح العائلات فرصة حياة أفضل بأدوات بسيطة وتكنولوجيا ذكية.

واكد سليمان ان المشروع يأتي تحت مظلة رعاية وزارة البيئة المصرية، وبالشراكة مع تحالف من منظمات المجتمع المدني في الفيوم ووادي الجمال بالبحر الأحمر وواحة الخارجة بالوادي الجديد،وأن مؤسسة «بيئة بلا حدود» خلال عامين عملت على تطوير تطبيق إلكتروني يربط سكان المناطق النائية بمقدمي خدمات الطاقة الشمسية، ويوفر لهم معلومات وأدوات تساعدهم على التغلب على العقبات اليومية في استخدام وحدات الطاقة النظيفة..

ومن المنتظر أن تسهم هذه المنصة في تحسين جودة الحياة لآلاف السكان، من خلال ضمان حصولهم على طاقة موثوقة وبأسعار مناسبة، فضلًا عن دورها في ربط المجتمعات المعزولة بشبكات الطاقة النظيفة، بما يعزز النمو الاقتصادي ويحافظ على الموارد الطبيعية.

عسل المانجروف

لا تقتصر قيمة غابات المانجروف على دورها في حماية السواحل وامتصاص الكربون فقط، بل تمتد لتكون مصدرًا حيويًا لإنتاج عسل طبيعي مميز. هذا ما صرح به دكتور ممدوح رشوان رئيس الاتحاد العربي للشباب والبيئة خلال مشاركته في ورشة العمل ، وقال رشوان: تُعد أزهار المانجروف غنية برحيق خاص يتحمل الملوحة ويحتوي على عناصر معدنية نادرة تميز العسل المنتج منها. ولهذا يقيم بعض النحالين المحليين خلايا النحل وسط أو قرب تجمعات المانجروف، حيث تجد النحلات بيئة نظيفة ومحمية بعيدًا عن التلوث، فتنتقل بين أزهار المانجروف والنباتات الساحلية الأخرى، منتجة عسلًا يُعرف بنقائه وطعمه المائل للملوحة الخفيفة وقيمته الغذائية العالية.

ويُباع هذا العسل غالبًا بأسعار مرتفعة نظرًا لندرته وفوائده الصحية، ما يمثل دخلًا إضافيًا للأسر والمجتمعات التي تعيش بالقرب من المحميات الساحلية. كما يشجع وجود المناحل على حماية الأشجار نفسها من الإزالة الجائرة، إذ يصبح لها قيمة اقتصادية مباشرة تُقنع السكان بالحفاظ عليها.

رحلة المال الأخضر

وحول مفهوم التمويل المستدام واهميته لخلق حلول قائمة على الطبيعة  تحدثت طاهرة الحفناوي الأمين العام لصندوق حماية البيئة سابقا، وقالت طاهرة: ان التمويل المستدام يعني توجيه الأموال والاستثمارات لمشروعات تُراعي أثرها على البيئة والمجتمع إلى جانب تحقيق الأرباح. من الطاقة المتجددة، إلى الزراعة الذكية، إلى النقل النظيف، كلها أمثلة لمجالات يجتمع فيها العائد الاقتصادي مع منفعة الأرض والناس.

واوضحت ان سبب تحول التمويل المستدام لأولوية ملخصة ذلك في عدة نقاط : أولًا، لأن حماية البيئة لم تعد رفاهية، بل ضرورة ملحة. من خلال تمويل مشروعات الطاقة النظيفة وإعادة التدوير، يمكن تقليل انبعاثات الكربون وإنقاذ الموارد الطبيعية. ثانيًا، لأنه وسيلة لدعم العدالة الاجتماعية عبر مشروعات تحمي حقوق العمال، وتوفر فرصًا عادلة، وتحسن جودة الحياة. وثالثًا، لأنه يُقلل من المخاطر المالية بعيدة المدى ويجعل الأسواق أكثر استقرارًا وشفافية..

وتابعت الأمين العام السابق لصندوق حماية البيئة قائلة: هناك أدوات متنوعة: لذلك التمويل منهل السندات الخضراء والقروض المستدامة، و تتنوع أشكال التمويل المستدام بين الاستثمار المسؤول اجتماعيًا (SRI)، والسندات الخضراء التي تموّل مشروعات بيئية، والسندات الاجتماعية التي تدعم التعليم والرعاية الصحية، وحتى القروض التي تُمنح للشركات الملتزمة بحماية البيئة وحقوق العمال.

الغسل الأخضر

ولفتت طاهرة الى عدد من التحديات التي تواجه التمويل المستدام قائلة: رغم الزخم الكبير، لا يزال التمويل المستدام يواجه عقبات، منها نقص البيانات والمعايير الواضحة لقياس الأثر، وتكاليف التأسيس العالية لبعض المشروعات، وتقلبات الأسواق، وصولًا إلى مشكلة «الغسل الأخضر» حين تروّج بعض الشركات لصورتها البيئية دون التزام حقيقي.