"ريف" ...  الحقول المُلهمة التي تعانق الشمس فتحولها لطاقة

ريف مُختبر حي  في 15 فداناً تكتفي ذاتيًا من الغذاء والطاقة

حنان فكري

حرارة الشمس تعانق الرمال. رائحة الأرض والشجر تملأ الهواء. تختلط برائحة وجبة الإفطار الرمضانية التي تنتظرنا، نسير بخطوات متسارعة نحو مزرعة "ريف البحثية" ذات الحياة النابضة، هناك اجتمعنا نحن الصحفيون، أعضاء جمعية كتاب البيئة والتنمية، في زيارة ميدانية، دعانا لها المهندس حاتم الرومي مؤسس المزرعة، والمستشار الإعلامي د. وائل رضا، لم نكن نتوقع أن يكون أكثر ما سيأسر اهتمامنا طفل صغير يرتدي بدلة أنيقة، ورابطة عنق، ونظارة تعطيه ملامح المخترع الصغير. كان يقف أمامنا بثقة، وبجانبه والدته وشقيقه الصغير، وكأنهم جزء من مشهد سينمائي. لا تستطيع أن تحول بصرك عنه حتى تغادر. لكنه ظل صامتًا وكأن الجولة تحتفظ لنا بالهدية في آخراليوم.

بدأت الجولة التي لم تكن مجرد زيارة، بل كانت حكاية عن كيف يمكن للعلم أن يصنع حياة كريمة مستدامة، وكيف يمكن للشباب أن يكونوا جزءًا من مشروع يستهدف الأمن الغذائي والطاقة النظيفة في مصر، بما يتوافق مع الالتزامات العالمية في خطة التنمية المستدامة للأمم المتحدة. تلك المساحة التي تشكل نموذجًا فريدًا للنظام البيئي المتكامل.

 كان د. محمود بكر، رئيس الجمعية، وم. حاتم الرومي مؤسس مزرعة "ريف البحثية" ورئيس لجنة الطاقة المتجددة بمجلس علماء مصر، ود. وائل رضا نائب الرئيس، والمستشار الإعلامي،في مقدمة المجموعة، يشرحون آليات العمل داخل المزرعة. ما لبثنا أن وجدنا أنفسنا نتجول بين الحقول المزروعة، وحدات الطاقة الشمسية، ومحطة توليد الكهرباء النظيفة، مستمعين لتفاصيل تجعل "ريف" نموذجًا للاكتفاء الذاتي والاستدامة. ذاتياً بنسبة تصل لحوالي 60% من الاحتياجات الغذائية لمجتمع ريف.

من المخلفات إلى الطاقة والغذاء

كنا نتابع والطفل علي يتابع معنا كل ما يستعرضه  المهندس الرومي،تقع أبصارنا على انتباهه فنتعجب مبتسمين ثم نعود للمتابعة، لنرصد كيفية تحويل المخلفات الزراعية إلى سماد عضوي يعيد الحياة للتربة، ويزيد إنتاجية المحاصيل. إذ انه لتوفير حياة كريمة، يجب أن تتوفر المياه والغذاء والطاقة، وجمع هذه العناصر بشكل علمي يضمن التكامل بين كل أوجه الحياة..و"ريف" مثال حي، مساحة مزرعة ريف تبلغ حوالي 15 فدانًا، مع سيطرة الزيتون على معظم المساحة، لكن التنوع الزراعي يشمل الطماطم والخيار والفلفل والأناناس، بما يوفر اكتفاءً ذاتيًا يصل إلى 60% من الاحتياجات الغذائية للمزرعة. هكذا شرح الرومي.

الطاقة الشمسية

أما الطاقة الشمسية في ريف ليست مجرد ألواح تولد الكهرباء، إنها رؤية الرومي الذي يرى فيها اكثر من ذلك فهي مظلات تحمي من حرارة الشمس، وتتصل بآبار مياه جوفية، لتمكين المزرعة من استخراج المياه واستخدامها في الزراعة، وكذلك شحن وسائل النقل الكهربائية. هكذا، تستفيد المزرعة من الطاقة الشمسية في أكثر من وظيفة، لتصبح مثالًا حيًا على الاقتصاد الدائري للطاقة والمياه.

نجح حاتم الرومي في توظيف كل معطيات ريف لاستخدامها الاستخدام الأمثل، فالالواح الشمسية مثلاً على هيئة مظلات واقية من حرارة الشمس، وتتصل ببئر مياه جوفية لتمكين ريف من استخراج مياه جوفية، وبذلك يتم استغلالها في اكثر من وجه، والمياه المستخرجة يتم استغلالها في الزراعة، كما يمكن من خلال الطاقة شحن وسائل النقل الكهربية الموجودة في المزرعة.

الأزولا: نبات بحجم الثورة

ما زال الرومي متحدثًأ عن اهمية المزرعة كنموذج فريد، وما زال الطفل علي يرفع نظارته ويعيدها الى مكانها متابعًا إياه بشغف ملفت، الى أن وصلنا للحديث عن حوض "الأزولا" وقال الرومي: نبات "الأزولا" عالى البروتين نقوم بزراعته ونقدمه للدواجن والاغنام كبديل للأعلاف التي تشكل ازمة حالياً أحد أبرز الابتكارات في ريف كان حوض الأزولا. نبات صغير يعيش على سطح المياه ويكون علاقة تكافلية مع الطحالب، ليصبح بديلًا عالي البروتين للأعلاف الحيوانية. يوضح الرومي: "الأزولا يحتوي على 35-40% بروتين من وزنه الجاف، ويستخدم في علائق الدواجن بنسبة تصل إلى 40%".

"عبقرينو" المخترع الصغير

اسمه على محمد عبد الله، يطلقون عليه لقب "عبقرينو". لم يكن مجرد طفل، بل موهبة تنمو يومًا بعد يوم، فقد رأيته من قبل في يوم البيئة الوطني، وكان فائزًا بجائزة المخترع الصغير، يجمع بين الفضول العلمي والجرأة على التجربة. وضع أمامنا جهازه الصغير، الذي يعمل على تحويل مخلفات الطعام إلى سماد عضوي، وكأن كل قطعة مخلفات تحمل قصة جديدة للنمو والخصوبة.

تبنى عرض اختراعه، المهندس حاتم الرومي، رئيس مجلس إدارة المجموعة، والدكتور وائل محمد رضا، المستشار الإعلامي ورئيس قطاع المسؤولية المجتمعية، اللذان سلماه دفة شرح آلية عمل الجهازـ إيماناً منهما بأهمية دعم المواهب الشابة في مصر، وخصوصًا تلك التي تهدف لحل مشاكل البيئة والمجتمع.

بدأ علي في شرح الجهاز، لغته الرصينة، لباقته، دقة حساباته، فهمه لكيفية تحويل المخلفات إلى سماد، طرق قياسه للمواد، وابتسامته التي لا تفارقه، كل ذلك جعلنا ندرك أننا أمام عبقري حقيقي. كانت والدته تراقبه بفخر، بينما شقيقه الصغير ينظر بدهشة، كأنه يرى معجزة ويعرف نفسه بأنه شقيق علي.

الى أن جاءت اللحظة السحرية، فنحن الصحفيون، عادة ما نكتب عن الأحداث الكبرى، وجدنا أنفسنا أمام طفل صغير يعيد تعريف الابتكار والمسؤولية البيئية. جلسنا نسجل الملاحظات، نصور الابتسامات، ونسمع القصص عن كيف أن مشروعه جزء من المسؤولية المجتمعية، التي تهدف لبناء المواهب الشابة والطموحة.وفي تلك اللحظة، شعرنا جميعًا أن "عبقرينو" ليس مجرد لقب، بل شهادة حية على أن الابتكار بذرة تنبت الصغر.

مسابقة الطاقة

لم تنته الجولة بعد، ولكن أفرزت تعاونًا ثنائيًا بين جمعية كتاب البيئة والتنمية، والمزرعة " ريف البحثية" لدعم الوعي بقضايا الطاقة المتجددة وعلاقتها بالتنمية المستدامة وتغير المناخ. لتحفيز الصحفيين على إنتاج أعمال صحفية متميزةعبر مسابقة بين موضوعات تسلط الضوء على هذه القضايا، لعل ما ننتبه اليه اليوم  ينتج توسعًا في مشروعات الطاقة النظيفة "الشمسية وطاقة الرياح واستخدام المخلفات كوقود بديل" غدًا. والمسابقة موزعة على ثلاث جوائز مالية قيمة .

الإفطار الرمضاني

لم تكن الجولة مكتملة دون لحظة إنسانية. جلسنا جميعًا على مقربة من الأشجار، لتناول إفطار رمضاني. كان الجو مشبعًا بروح الاكتشاف. لم يكن مجرد طعام، بل احتفال بالعلم والزراعة والطاقة النظيفة التي يمكن أن تغير وجه مصر نحو الاستدامة. فريف ليست مجرد مزرعة؛ إنها مختبر حي للتنمية المستدامة. من الزراعة العضوية إلى الطاقة الشمسية، ومن المياه المستخرجة إلى الأعلاف البروتينية المبتكرة، يجمع ريف بين الأمن الغذائي، الطاقة النظيفة، والاكتفاء الذاتي.

الجولة أظهرت لنا كيف يمكن للمجتمع المدني، من خلال الشباب والخريجين، أن يصنع فارقًا ملموسًا في الحياة اليومية والاقتصاد البيئي المصري. تجربة ريف تذكرنا بأن الاستدامة ليست شعارًا، بل نظام متكامل، كل عنصر فيه يساهم في بقاء الإنسان والطبيعة معًا.