"البرلس" و"المنزلة" و"قارون"… خرائط الانكماش الصامت في بحيرات مصر

حنان فكري
في صمت يشبه الغرق، تختنق بعض الأراضي الرطبة في مصر؛ جزء من رئات الأرض الطبيعية تحرس الساحل وتُطعم الفقراء وتُوقع باسم الطيور المُهاجرة على سِجل الحياة.... والأراضي الرطبة هي مساحات طبيعية تنتشر فيها المياه بشكل دائم أو موسمي، وتشمل البحيرات، والبحيرات الشاطئية والسبخات "وهي ارض منخفضة مالحة تحتوي على طبقات من الماء أو الطين الملحي، غالبًا موسمية، وتكون بيئة طبيعية للكائنات الملحية" والمستنقعات والمسطحات الضحلة والملاحات " وهي مناطق مصنعة أو طبيعية يُستخرج منها الملح عادة عبر تبخير مياه البحر أو المياه المالحة، وقد تكون أقل تنوعًا بيولوجيًا من السبخات الطبيعية." كذلك تضم الأراضي الرطبة المساحات ذات النباتات المائية. وتمثل هذه البيئات خزانات للتنوع البيولوجي، ودروعًا طبيعية تحمي السواحل وتدعم رزق السكان. لما تزخر به من تنوع بيولوجي فريد.ذلك التنوع يشمل جميع الكائنات الحية من نباتات وحيوانات وفطريات، والنظم البيئية التي تعيش فيها، بما يسمح بتوازن الحياة على الأرض .
هذه الأراضي والبحيرات تنبت فيها بعض النباتات العشبية كالقصب والحشائش أو نبات البردي والبوص، وغيرها من النباتات الأخرى، وكم حملت رزق الصيادين لمئات السنين، لكنها تتراجع اليوم أمام زحف الردم والتلوث وملوحة البحر، فيما ينهار مخزون الأسماك، وتتبدل خرائط المعيشة، وتهاجر الطيور وتهاجر معها العائلات. وما كان صمام أمان للتنوع البيولوجي والأمن الغذائي يتحول تدريجيًا إلى مناطق ميتة، تفقد فيها الطبيعة قدرتها على البقاء والإنسان قدرته على الاحتمال، ويرجع هذا إلى حد كبير نتيجة للتصريف المستمر لمياه الصرف الزراعى الناتجة من عمليات إستصلاح الأراضي فى السنوات الــ40 الماضية.
وفيما يحدث ذلك، تجذبنا التغيرات المناخية نحو أزمات موازية ومتداخلة، قد تجعل الحياة مستحيلة إذا استمرت الضغوط الحالية، وأحد أبرز هذه الضغوط هو فقدان التنوع البيولوجي، أي تنوع الحياة على الأرض بما في ذلك نحو 8 ملايين نوع من النباتات والحيوانات والنظم الإيكولوجية التي تحتضنها والتنوع الجيني بينها. هذا التنوع يشكل الأساس الذي يدعم جميع أشكال الحياة، ويضمن توازن النظم البيئية التي توفر الهواء النقي والمياه والغذاء والدواء، وتساعد في مقاومة الأمراض والتخفيف من آثار تغير المناخ. تغير أو اختفاء أي عنصر في هذه الشبكة يؤثر على النظام كله.
في السنوات الأخيرة اكتشف الخبراء ان الأراضي الرطبة تقف على خطّ الأزمة نفسها كجدار صلب في معركة الكوكب مع تغير المناخ عبر صون التنوع الأحيائي فيها؛ فهذه الأراضي تعتبر مخازن كربون طبيعية، ومصاف حية تُبقي الهواء والمياه قابلين للحياة، ومحطات استقرار مناخي تسمح للطاقة النظيفة أن تتنفس. ولما لا ؟ فحول الأرض يعيش أكثر من مليار إنسان في العالم على كسب العيش من الخدمات التي توفرها هذه النظم، وحين تتراجع هذه البيئات الهشة، يختل ميزان المناخ، وينفك عقد الترابط بين الطاقة والأرض والمياه، وتتراجع القدرة لى التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة التي تحتاج إلى مناخ مستقر وأنظمة بيئية سليمة. فكيف يحدث ذلك، وما التحديات التي تواجه بعض الأراضي الرطبة في مصر؟ وكيف وجدت حلولًا قائمة على الطبيعة؟ وما النتائج المتوقعة بعد تطبيق الحلول الفريدة؟ هذه الأسئلة تُجيب عليها السطور التالية:
أهمية الأراضي الرطبة عالميًا
وفقًا لتقرير الأمم المتحدة، الصادر في اليوم العالمي للأراضي الرطبة 2 فبراير، ووفقًا لاتفاقية "رامسار"- وهي معاهدة دولية معتمدة عام 1971 تهدف إلى حماية الأراضي الرطبة والحفاظ على التنوع البيولوجي المرتبط بها- .فإن هذه المساحات من أقوى أدوات الطبيعة في مكافحة تغير المناخ وحماية سبل عيش الملايين. فهي تعمل كأحواض طبيعية لتخزين الكربون، وتخفيف آثار ارتفاع مستوى البحر، والسيطرة على الفيضانات والجفاف، كما توفر المياه العذبة لدورات الزراعة والصيد. يعتمد عليها مجتمعات بأكملها من أجل الطعام والماء والدخل، وقدرتها على تنقية المياه وتنظيم الدورة البيئية تجعلها خط الدفاع الأول لرفاه الإنسان والكوكب.

انقراض جماعي
ويقول أليساندرو فراكاسيتي الممثل السابق لبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة في مصر:"نحن على وشك الانقراض الجماعي. وإذا ما واصلنا السير على هذا المسار، واستمر ارتفاع درجة الحرارة نحو القيمة التي حذر الخبراء منها، فسيكون لفقدان التنوع البيولوجي آثاراً خطيرة على البشرية، بما في ذلك انهيار أنظمة الغذاء والصحة. مشيرا الى إن الطبيعة ترسل لنا رسالة تحذير.
ماذا يحدث للأراضي الرطبة المصرية؟
في مصر، توجد مساحات كبيرة من الأراضي الرطبة – هي أنظمة بيئية الماء هو العامل الأساس الذي يتحكم في البيئة والحياة النباتية والحيوانية المرتبطة بها، - مثل بحيرة ناصر، والبحيرات الشمالية، والبحيرات المرة، ودلتا النيل وواديه، والفرافرة، والبردويل، وبورفؤاد (الملاحة)، والمنزلة، والبرلس، ومنها مساحات محمية بقرارات حكومية وباتفاقات دولية مثل البرلس، والمنزلة، وقارون.
بعض هذه البحيرات طالها تدهور شديد وفقًا لتقارير وزارة البيئة، وتقلص فيها التنوع البيولوجي وبالتالي الثروة السمكية، وبدلاً من أن تصبح البحيرات المُصنفة أراضي رطبة طبقا للإتفاقيات الدولية الموقعة عليها مصر "رامسار" ، صارت مرتعاً للتلوث، ومطمعاً للردم، وتحويلها لأراضي بناء.وفيما يسعى العالم كله لاسترداد الأراضي الرطبة، والتنوع البيولوجي المتعلق بها لحل كارثة التغيرات المناخية، نجد بعض البحيرات المصرية والمستنقعات، بما فيها من نباتات ربانية عاجزة أمام غول التعديات وعمليات التجفيف المتعمد والتوسع العمراني. هذا طبقاً لتقارير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في أرقام 2020..
بل أنه يتم اقتلاع البوص والأعشاب الربانية التي تنمو فيها بحجة انها تعوق الحركة، ووفقاً لمركز ابحاث البحر الأحمر فإن التخلص من الأعشاب البحرية، وكذلك الأمر بالنسبة للنباتات الربانية في البحيرات والمستنقعات، فإن الكربون المدفون يعود مرة أخرى وينتشر في الغلاف الجوي، مما يؤدي إلى تفاعل متسلسل يؤثر على الكائنات الحية والنظم البيئية والبشر الذين يعتمدون عليها كمصادر للغذاء. وهذا ما يفسر محاولات العالم لاستعادة تلك الأنظمة والبيئات من جديد. لمواجهة تغير المناخ. لكن فيما يستردها العالم تفقد مصر بعضها. بالرغم من كونها مُصنفة محميات طبيعية.

ردم وتجفيف "البرلس"
بحيرة البرلس، المُصنفة محمية طبيعية منذ عام 1998 ومدرجة ضمن اتفاقية اتفاقية رامسار، تُعد ثاني أكبر البحيرات الطبيعية في مصر — تقع بين فرعي النيل، كانت مساحتها 165 ألف فدان في السبعينيات ونتيجة لتجفيف أجزاء منها أصبحت مساحتها 103 آلاف فدان تقريبا، تُقدر بنحو 460 كم²، وتمتد بطول يقارب 70 كم،. وتضم البحيرة نحو 28 جزيرة داخل مساحتها، وتُعد محطة هامة للطيور المهاجرة، ورئة بيئية تدعم التنوع البيولوجي في دلتا النيل، وهى مصدر رزق لنحو 250 ألف نسمة.

لكن في السنوات الأخيرة، تحولت البرلس إلى ساحة معركة بيئية.وفقًا لدراسة علمية حديثة (نُشرت في أبريل 2025 في دورية علمية اسمها "التقارير العلمية" ) كشفت عن تلوث واسع بالميكروبلاستيك، داخل مياه البحيرة، خاصة قرب المصارف الزراعية والصرف الصحي، حيث رُصد متوسط 835 قطعة بلاستيكية دقيقة لكل متر مكعب في المناطق القريبة من مصارف الصرف مقارنة بــ 165 قطعة/م³ في المياه المفتوحة. والملوثات البلاستيكية شملت 8 أنواع من البوليمرات مثل بولي بروبيلين وبولي إيثيلين ونايلون — ما يعكس تنوع مصادر التلوث من مخلفات الصيد، العبوات، والشباك البلاستيكية.
وتقول سهى شبكة، الأستاذة المساعدة في قسم الأحياء المائية بالمعهد القومي لعلوم البحار والمصايد والمشاركة في الدراسة: "أنشأنا نموذجا باستخدام نظم المعلومات الجغرافية لتقييم تعرض المياه السطحية للتلوث من المصادر غير المباشرة. وأظهرت النتائج أن الممرات المائية تلعب دورًا محوريًا في نقل الجزيئات البلاستيكية إلى داخل البحيرة، لا سيما في الجزء الجنوبي منها".
وتوضح الباحثة أن متوسط تركيز الجزيئات البلاستيكية في المياه المفتوحة للبحيرة بلغ 165 قطعة لكل متر مكعب، بينما وصل إلى 835.6 قطعة/م³ في المياه القريبة من المصارف، وهو ما يشير إلى علاقة وثيقة بين مخرجات الأنشطة البشرية ونسبة التلوث المسجلة.وتبرُز مناطق مثل بلطيم والبرج والأجزاء الجنوبية الشرقية من البحيرة باعتبارها الأكثر تأثرا، حيث تتركز الأنشطة الحضرية وتتشابك الشبكات المائية التي تسهم في تجميع ونقل الملوثات.
ويوضح التلوث البلاستيكي هذا، أن البحيرة تواجه موجة من التعديات والتغيرات البيئية والانسانية: فبعض الأحواض الرطبة تحولت إلى أراض زراعية أو مزارع سمكية، ما قلّص المسطح المائي الطبيعي ما يقرب من 44.8٪ من الغطاء الرطبي. كما أن الاعتماد على الصيد والصيد الجائر والصيد غير المنضبط — خاصة لصيد الزريعة أو استخدام شباك غير مرخصة — ضرب الثروة السمكية وحرم آلاف الأسر من رزقها، الأمر الذي دفع بعض السكان إلى تحويل أنشطتهم إلى صيد الطيور المهاجرة كمصدر بديل للرزق، وهو ما يهدد جهود الحماية ويزيد من الضغط على النظام البيئي.

محاولات استعادة البرلس
لمواجهة هذه الأزمات، أطلقت الدولة عبر جهات حكومية ومؤسسات بيئية مشروعاً قومياً لتطهير وتكريك البحيرة ضمن مشروع تنمية البحيرات المصرية. في يناير 2024، تابع رئيس الوزراء بنفسه موقف أعمال التكريك، ضمن خطة شاملة لإعادة الحياة للبحيرة، كما أعلنت في 2024 عن استثمارات ضخمة، بلغت نحو 1.85 مليار جنيه في مراحل التطوير، تضمنت فتح القنوات، تكريك القاع، وحماية المصبات البحرية لزيادة تدفق المياه وتحسين الملوحة وضبط جودة المياه. لكن التعديات ما زالت أقوى من المواجهات.
ويقول الدكتور محمد الجنزوري، مدير إدارة البيئة بمحافظة كفر الشيخ، وُضعت بحيرة البرلس في عام 2025 خطة بيئية متكاملة لمراقبة جودة المياه، تنظيم الصيد، وحماية الطيور والمواطن الطبيعية، بالتعاون مع الجهات البحثية، مع التركيز على حلول قائمة على الطبيعة: مثل استعادة المناطق المائية المهددة، تفعيل دور المجتمعات المحلية في إدارة الموارد، وحملات توعية لتقليل النقد البلاستيكي والصرف العشوائي.
الحلول القائمة على الطبيعة:
ووفقًا لتقرير الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) عام 2009، فإن الحلول القائمة على الطبيعة هي استراتيجيات وسياسات بيئية تعتمد على حماية، إدارة، واستعادة النظم البيئية الطبيعية أو شبه الطبيعية، لحل مشكلات بشرية مرتبطة بالمناخ والبيئة، مثل الفيضانات، التلوث، والتصحر، مع تحقيق فوائد اقتصادية واجتماعية للمجتمعات المحلية. بمعنى آخر، هي استخدام الطبيعة نفسها كأداة مستدامة لحماية الإنسان والبيئة وتحقيق التنمية، أي انها حلول مستوحاة من الطبيعة لإدارة التحديات البيئية والاجتماعية" ، واعتمدته الأمم المتحدة في إطار أهداف التنمية المستدامة ومؤتمرات المناخ COP، لتسليط الضوء على دور النظم البيئية في التكيف مع تغير المناخ، الحد من الكوارث الطبيعية، ودعم التنوع البيولوجي.
ويكمل الجنزوري مشيرًأ إلى أن هناك تعاونًا وثيقًا بين وزارة البيئة وعدد من المنظمات الدولية والإقليمية في إطار دعم برامج حماية البحيرات الشمالية، حيث تم تنفيذ مشروعات بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) ومرفق البيئة العالمي (GEF)، وتركز على إدارة النظم البيئية وتعزيز قدرات الرصد البيئي. كما يجري التنسيق مع الاتحاد الأوروبي في مشروعات تهدف إلى تقليل التلوث وتحسين إدارة الموارد المائية.
ويشدد «الجنزوري» على أن الوزارة تسعى إلى استقطاب الدعم الفني والتمويلي الخارجي بالتوازي مع الجهود الوطنية، لتحقيق تنمية بيئية مستدامة والحفاظ على بحيرة البرلس كأحد كنوز دلتا النيل الطبيعية وموردًا بيئيًا وسياحيًا فريدًا يعزز مكانة كفر الشيخ على خريطة السياحة البيئية في مصر.
وهكذا فإن بحيرة البرلس تمثل نموذجًا حيًا لما يمكن أن تؤول إليه أي بيئة رطبة تُهمل: من محمية إلى منطقة مهددة بالتلوث والتآكل البيئي، مع تداعيات مباشرة على التنوع البيولوجي، الأمن الغذائي، ومعيشة المجتمعات الساحلية. لكن بما أن هناك جهود إعادة تأهيل جادة تكريك، رصد، تنظيم صيد فإن البرلس تختبر ما إذا كان المكان الذي يفقد موطنًا طبيعيًا يمكن أن “ينتفض” ويُعاد توازنُه، أم لا، عبر إدارة بيئية مدروسة تشرك الدولة والمجتمع المدني معًا.
"قارون" وتشريد الصيادين
تقع بحيرة قارون في الجزء الشمالي الغربي لمحافظة الفيوم، وهي من أقدم البحيرات الطبيعية في مصر، وتُعد البقية المتبقية من بحيرة «مورِيس» القديمة؛ ومعلنة محمية طبيعة ضمن الثلاثين محمية الرسمية في مصر، وتبلغ مساحتها نحو 55 ألف فدان، لكنها اليوم تواجه سلسلة من التهديدات البيئية الخطيرة التي أضعفت دورها كمحمية طبيعية ومورد رزق لأهالي المنطقة. فمنذ سنوات، تحولت البحيرة إلى «خزان للصرف الزراعي والصحي»: فمصرفا «البطس» و«الوادى» الزراعيان يصبان فيها جنبا إلى جنب مع صرف عشرات القرى التي لا تضم شبكات صرف صحي، مما أدى إلى تلوث كيميائي وبيولوجي، مياه الصرف غنية بالأسمدة والمبيدات الحشرية والمعادن الثقيلة هذا التلوث ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في ملوحة الماء، مما حول البحيرة من بيئة مياه عذبة إلى حوض مائي شديد الملوحة، غير مناسب لمعظم الأسماك العذبة التي كانت يومًا تمثل ثروة سمكية رئيسية للمنطقة.

فضلا عن صيد الزريعة، وصيد الزريعة، يعني صيد الأسماك الصغيرة جدًا قبل أن تكبر وتتكاثر. تأثيره كبير لأنه يقلل من أعداد الأسماك البالغة، ويهدد التوازن البيئي، ويؤدي إلى تراجع الثروة السمكية، على المدى الطويل، مما يضر بالبيئة وبمعيشة الصيادين، إضافة إلى ذلك، اجتاح البحيرة طفيلي ضار يُعرف بـ "الإيزيبود" انتقل عبر زريعة غير منظمة ما تسبب في نفوق واسع لأسماك البلطي والطوبار والموسي، كما سجلت إصابات 100٪ في بعض الأنواع، و75٪ في البلطي، بحسب عينات الفحص.
ووفقا لمؤشر جودة المياه WQI: أظهرت دراسة 2025 أن القيم تتراوح بين 84.33 إلى 305.53 — ما يصنف البحيرة بأنها “غير مناسبة للحياة المائية، والنتيجة كانت كارثية: تراجع الإنتاج السمكي من نحو 2000 طن سنوي في ثمانينيات القرن الماضي، إلى نحو 5 أطنان فقط في 2022 بحسب هيئة الثروة السمكية بالفيوم وبيانات اخر بحث ميداني لها في عام 2020. هذا التدهور لم يُدمر التنوع الحيوي فحسب، بل يضرب رزق آلاف الأسر المُعتمدة على صيد الأسماك في القرى المحيطة، ويدمر جزءًا من التراث الإيكولوجي والسياحي للفيوم.
ويقول رجب كير الله، عمدة صيادي بحيرة قارون بمحافظة الفيوم: "توقف ما يقرب من 650 قاربًا كانت تعمل في البحيرة عن العمل بسبب توقفها عن إنتاج الأسماك". فيما يؤكد عطالله عبد التواب، رئيس مجلس إدارة محطة مياه في قرية مجاورة: "على الرغم من ملاحظة طفيليات الأيزوبود في مصايد الأسماك البحرية لفترة طويلة، واعتبارها جزءًا من النظام البيئي المائي، إلا أنها تحظى اليوم باهتمام كبير لأنها تُلحق أضرارًا جسيمة ببحيرة قارون"
وخلال السنوات الأخيرة زادت جهود إصلاح بيئية، اذ انه وفقًا لجهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية في تقريرعام 2024–2025: تم مد شبكات صرف صحي لـ 56 قرية حول البحيرة، بناء محطات معالجة للصرف الصناعي والزراعي، تنفيذ مشروع «تكريك» لقاع البحيرة لإزالة طبقة الحمأة الملوثة، وتحسين جودة المياه. كما جُربت كحلول قائمة على الطبيعة، إعادة إطلاق زريعة جمبري وعدد من أنواع الأسماك بعد تأكد الخبراء من تراجع الملوثات وتحسن خواص المياه. بالرغم من ذلك كله إلا أن التحدي لا يزال كبيرًا، فإعادة التوازن البيئي تتطلب التزامًا دائمًا بتشغيل محطات المعالجة، مراقبة مستمرة لجودة المياه، تنظيم الصيد، منع الإلقاء العشوائي للصرف، وتفعيل دور المجتمع المحلي في حماية.
أعشاش الطيور ايضًا حلول
لذلك جاءت ضمن أبرز استراتيجيات الحلول القائمة على الطبيعة، لإنقاذ بحيرة قارون وغيرها من المسطحات المائية، "استعادة الغطاء النباتي على الحواف" من أجل استعادة المواطن الطبيعية ودعم التنوع البيولوجي. فوفق خطة رسمية معتمدة في 2025 وقع الدكتور أحمد الأنصاري محافظ الفيوم، واللواء الحسين فرحات محمد المدير التنفيذي لجهاز حماية البحيرات وتنمية الثروة السمكية، بروتوكول تعاون لإعادة التوازن البيئي وتنمية بحيرة قارون، حيث يجرى في محيط البحيرة استصلاح حزام نباتي طبيعي يمتد لمسافة 200 متر من حرم المياه، يهدف إلى إعطاء البحيرة «جدارًا أخضر» يعمل كطبقة عازلة ضد دخول الملوثات الزراعية والصرف الصحي، ويُعيد ربط النظام البيئي البحري بالأراضي الرطبة المحيطة.
هذه النباتات، وفقًا لدراسات قامت بها وزارة الري والموارد المائية بتكليف من د. مصطفى مدبولي رئيس الوزراء، اثبتت انهاغالبًا من الأنواع المحلية المقاومة للملوحة والرطوبة، تؤدي وظيفة بيئية مزدوجة: أولًا : مرشحات طبيعية تمتص النيتروجين والفوسفور والملوثات العضوية قبل أن تصل إلى المياه، الأمر الذي يحسن جودة المياه ويحمي الأسماك والكائنات المائية؛ ثانيًا: موائل - اماكن استقرار- طبيعية للطيور المهاجرة والمقيمة، والتي تستخدمها للتغذية والتعشيش فور تحسن البيئة، ما يدعم التنوع البيولوجي ويُعيد للحياة البحيرة جزءًا من تنوعها السابق.
وجاءت هذه الحلول بعد أن ربطت دراسات بيئية عالمية بين نجاح الحزام النباتي والنباتات الرطبة وبين استعادة وظائف النظام البيئي مثل تنقية المياه، خفض الملوثات الزراعية، زيادة التنوع البيولوجي، واستعادة المواطن الطبيعية للطيور والبرمائيات، لذلك فإن استعادة الغطاء النباتي على حواف البحيرة ليست ترفًا بيئيًا، بل خط دفاع طبيعي مرشح للمياه، مأوى للكائنات، داعم للتنوع، وموازن لمياه البحيرة، وهي خطوة أساسية لتحقيق استدامة حقيقية لـ بحيرة قارون وغيرها من المسطحات المتدهورة.
"المنزلة" الحزينة
أما محمية أشتوم الجميل في بورسعيد، المُصنفة ضمن ثلاثين محمية طبيعية رسميًا، والممتدة على مساحة 35 كيلومترًا مربعًا وتشكل البوابة الشمالية لبحيرة المنزلة، فهي من أهم محطات الطيور المهاجرة في الشرق الأدنى، إلا أنها شهدت خلال العقود الأخيرة انكماشًا ملحوظًا في مسطحها الطبيعي نتيجة التعديات والصيد الجائر وارتفاع معدلات التلوث القادمة من المصارف المؤدية لبحيرة المنزلة. وهي أكبر بحيرات الدلتا الشمالية، وتعاني من أزمة بيئية حادة ناتجة عن تداخل التلوث والصيد الجائر والتعديات على أملاك الدولة، ما يعرض النظام البيئي للانهيار ويضع مئات الآلاف من الصيادين والمزارعين في مواجهات يومية مع الفقر وفقدان الموارد.
فبحسب دراسة علمية للمعهد القومي لعلوم البحار والمصايد في عام 2016، لوحظ تلوث كبير في مياه بحيرة المنزلة بسبب تصريف مياه الصرف الزراعي والصحي والصناعي من المصارف الزراعية (مثل مصارف «بحر البقر»، «حادوس»، «السرو» وغيرها) مباشرة إلى البحيرة، ما أفرز تركيزات مرتفعة من معادن ثقيلة مثل الرصاص، النيكل الكادميوم، والمنجنيز، في مناطق الجنوب الشرقي من البحيرة .

كما قام باحثون من المعهد القومي لعلوم البحار والثروة السمكية بالقاهرة بدراسة بحيرة المنزلة، لمدة سبع سنوات خلال الفترة 2015-2022. ووجد الباحثون أن التجريف أدى إلى زيادة الملوحة وخفض العناصر الغذائية في البحيرة بشكل كبير في عام 2022 مقارنة بعام 2015. وهذا بدوره أدى إلى تغيير المعايير الكيميائية والعوالق الحيوانية في المناطق الشمالية والوسطى من البحيرة. ونشرت النتائج في مجلة الطبيعة Nature في مايو 2025 في مقال بعنوان "تقييم استعادة بحيرة منزلة بعد التجريف باستخدام معايير جودة المياه وتغيرات العوالق الحيوانية" وجاء فيها أن هذا التلوث لم يؤثر فقط على جودة المياه، بل تسبب في تدهور التنوع البيولوجي، انخفاض في أعداد الأسماك، اختفاء بعض الأنواع العذبة، وانتشار نباتات مائية طارئة (مثل نباتات لوتس/زنبق النيل المسبب للانسداد) التي ساهمت في خنق الأوكسجين وفساد الموائل.
ووفقًا لمحافظة بورسيعد ووزارةالداخلية والهيئة العامة للاستعلامان فأن التعديات في البحيرة تجاوزت 850 حالة شملت بناء مسكنات وعشش ومزارع أسماك داخل المياه، مما اضطر السلطات لإجراءات إزالة بالتنسيق مع الأمن والجهات المختصة. وتم ازالة 400 منها،و نتيجة لتلك الضغوط المتراكمة :"تلوث، صيد جائر، واحتلال غير قانوني، تاثرت البحيرة تأثرا شديدًا، فبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. فإن الإنتاج السمكي انخفض بنحو 20% بين 2012 و2015 قبل أن تتخذ الدولة خطوات تطويرية
كما أن ارتفاع ملوحة المياه بشكل غير طبيعي دفع البعض من مزارعي الأسماك والمربين إلى التخلي عن مزارعهم، بينما اشتكى مستهلكو الأسماك من تراجع العدد وانخفاض الجودة. وفي يونيو 2025، تقدمت نائبة برلمانية بطلب إحاطة لوزير الزراعة، تحذر فيه من أن «ارتفاع نسبة الملوحة وتغير لون المياه» يؤثران بشكل كبير على «نمو السمك الموجود» داخل البحيرة.
ونطرًا لحجم التعديات جاء الاهتمام بالملف اذ تسير أعمال المشروع القومي لتطهير وتطوير "بحيرة المنزلة" والتي تشرف عليها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وفق المخطط المقرر، وتطهير وتطوير بحيرة المنزلة هو ملف مشترك بين محافظات دمياط والدقهلية وبورسعيد ، وتم البدء بتطوير بحيرة المنزلة لتكون مشروع تنوعي متكامل تم اختياره بعناية ليكون مدخلًا لتطوير بحيرات مصر وبخاصة إدكو والبرلس ومريوط والبردويل وقارون، وقطعت أعمال تطهير وتطوير بحيرة المنزلة شوطًا كبيرًا نحو استعادة البحيرة بريقها وطبيعتها باعتبارها أكبر بحيرات مصر الشمالية بالتخلص من التعديات التي انتهكت قوانين تنظيم الصيد بها وكذلك قطعت أعمال التخلص من الملوثات مرحلة متقدمة.
أشتوم الجميل" ضريح الطيور المهاجرة
هذا بالنسبة لبحيرة المنزلة التابعة للمحمية، أما المحمية ذاتها – اشتوم الجميل - فيقدر الخبراء أن مساحة الموائل المناسبة للطيور في المحمية كلها تراجعت بما يزيد عن 40% بسبب تراكم الرسوبيات والتجفيف الجزئي. وتتعرض المحمية لضغوط بشرية متزايدة لا سيما النشاط السياحي العشوائي الذي يهدد حساسية النظام البيئي. ورغم التحديات، تشهد أشتوم الجميل تدخلات بيئية تعتمد على الحلول القائمة على الطبيعة، أبرزها إعادة توجيه المياه لتحسين التجدد الطبيعي، وتطهير الممرات المائية، واستعادة الموائل الطينية التي تشكل غذاءً أساسيًا للطيور، إلى جانب برامج الرصد البيئي التي تهدف لحماية نحو 200 نوع من الطيور التي تعبر المنطقة سنويًا.حل الطبيعة يبدأ من الطين
«استعادة الموائل الطينية» آلية تم استخدامها لانقاذ محمية اشتوم الجميل، يقول د. حسين رشاد مدير عام المحمية: هي آلية إعادة تأهيل الأراضي الرطبة المتدهورة سواء مستنقعات، سبخات، سبخات ساحلية أو أحواض طينية عبر إعادة تدفق المياه، وتنقية الملوثات، وتجديد الغطاء النباتي المناسب، حتى تستعيد قدرتها على دعم الحياة المائية والبرية وإعادة أداء وظائفها الإيكولوجية
مشيرًا الى أن الدراسات الحديثة تُظهر أن مثل هذه الاستعادة، سواء بشكل طبيعي أو عبر ما يُعرف بـالأهوار المصممة تؤدي إلى تحسين جودة المياه، خفض ملوثات النيتروجين والفوسفور، وإعادة توازن كيميائي طبيعي للمياه، كما تسهم في استعادة التنوع الحيوي: الأسماك، اللافقاريات، الطيور المهاجرة وأنواع نباتية مائية — مما يدعم الأمن الغذائي، الثروة السمكية، والسياحة البيئية.
ويضيف رشاد: بين الفوائد البيئية التي تنتج عن استعادة الأراضي الرطبة: تنقية المياه من الملوثات الزراعية والصناعية، تخزين الكربون في التربة مما يُساعد في التخفيف من آثار التغير المناخي، وقدرتها على امتصاص الفيضانات وحماية السواحل.، مؤكدًا ان استعادة الموائل الطينية ليست رفاهية بيئية، بل استثمار في «بنية طبيعية تحتية» تُوفر ماء نظيف، غذاء، خدمات بيئية، حماية من الفيضانات وتغير المناخ وكلها عناصر جوهرية لاستدامة المجتمعات.
المساحات المفقودة
تلك المحميات الثلاث البرلس وقارون واشتوم الجميل، كانت الأبرز كأمثلة للتعدي البشري على المناطق الرطبة المحمية بقرارات رسمية وذات التنوع البيولوجي الفريد، لكن هناك مناطق اخرى لا تخضع للحماية الرسمية وتتعرض لأسوأ انتهاك بشري منها: مريوط وادكو على سبيل المثال لا الحصر. فنتيجة للتوسع فى إستصلاح الأراضى فقدت مسطحات مائية فى بحيرة مريوط بنسبة 60%، وبحيرة إدكو بنسبة 29% وبحيرة المنزلة بنسبة11%، وبحلول عام 1988 ارتفعت معدلات فقد المسطحات المائية ببحيرة المنزلة إلى 30% و62% ببحيرة إدكو، وحالياً مساحة المسطحات المائية ببحيرة المنزلة هى مجرد ثلث مساحتها الأصلية (327 ألف فدان)، وبالمثل فقدت بحيرة البرلس ما يقدر بحوالى 37% من مسطحاتها المائية و85% من مساحة "الأهوار" :"الأرض الرطبة".
أرقام رسمية
وتشير آخر التقارير الرسمية التي أصدرتها الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية التابعة لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، كانت قبل عشر سنوات، الى أن عدد حالات التعديات على أملاك الدولة للبحيرات الشمالية خلال عامي 2015 و2016 بلغ 4656 حالة بإجمالي مساحة من التعديات على بحيرات المنزلة والبرلس وإدكو ومريوط تصل إلى 64 ألفًا و17 فدانًا في البحيرات الأربعة الواقعة في محافظات دمياط وبورسعيد والدقهلية وكفر الشيخ والبحيرة والإسكندرية، هذا فضلا عن تلويث مياهها بالنفايات ومخلفات الصرف الصحي والزراعي والصناعي.
ومنذ هذا الحين لم يجر حصرًا جديدًا، لكن فقط نفذت الهيئة حملات لإزالة تعديات، منها حملة في إسماعيلية عام 2021 على قطعة 45 فدان من أصل 295 فدان مخصصة للمسطح المائي. وفي أنشطة الجهاز الأخيرة (سبتمبر – أكتوبر 2024)، تم استعراض أعمال تتعلق بحماية البحيرات وتنمية الثروة السمكية، مما يؤكد تطابق تقارير الهيئة عن الأنشطة مع الواقع الذي يشير إلى استمرار التدخل.
الكربون الأزرق.. حياة من جوف الموت
استعادة الأراضي الرطبة، في مصر ليس ترفًا، ولا مشروعات رفاهية، لكنها صونًا للأرزاق والحياة، بناء على معلومات موثقة علميًأ ضمن أهم الحلول القائمة على الطبيعة لخفض درجة حرارة الأرض، فالأخشاب والأوراق الميتة المكونة من الكربون لا تحلل بسهولة في المياه كما هو الحال على اليابسة بسبب نقص الأكسجين في التربة الرطبة، فإنها بمرور الوقت تتطور إلى مخزون كربوني كثيف مدفون في الرواسب البحرية والأهوار " الأراضي الرطبة"، يطلق عليه مصطلح الكربون الأزرق، وهو الكربون الذي استولت عليه المحيطات والنظم الإيكولوجية الساحلية في العالم. ويتم تخزين الكربون الذي تحتجزه الكائنات الحية في المحيطات على شكل كُتل حيوية ورواسب من أشجار المانجروف والمستنقعات المالحة ومروج الأعشاب البحرية والطحالب. أي أن هذه الفائدة العظيمة تنسحب على المناطق المُصنفة أهواراً في مصر.
ذلك وفقًا لكارلوس دوارتي، أستاذ العلوم البحرية في مركز أبحاث البحر الأحمر " كاوست"، والحاصل على جائزة آفاق المعرفة المتميزة في علم النظم البيئية وبيولوجيا حفظها في عام ٢٠٢٠ والتي تمنحها مؤسسة بنك بلباو فيزكايا أرجنتاريا (BBVA)، إحدى أكبر المؤسسات المالية في العالم.
ويضيف كارلوس :"تعتبر الأعشاب البحرية وبيئات المستنقعات والأراضي الرطبة، من الأنظمة البيئية للكربون الأزرق التي تقدم خدمات بيئية مماثلة لأشجار المانجروف، ذو الفائدة العظيمة في تخزين الكربون، حيث تشكل مروجاً واسعة في المياه الساحلية الضحلة والبحيرات، وتعمل على حفظ الكربون المخزن في الرواسب تحت الماء لفترات زمنية طويلة، وثبت علمياً أنه بإمكان النباتات والاعشاب، أن تنمو وتتكيف مع ملوحة الملاحات والمستنقعات، وهذا يظهر أنها تكيفت للعيش في ظروف قاسية من ارتفاع الملوحة ودرجات الحرارة، وبالتالي تحتمل ظروف الاحتباس الحراري في المستقبل. كاحد اهم الحلول القائمة على الطبيعة.

فلاتر ربانية للملوثات
من جانبه يشرح دكتور أحمد وجدي مدير مشروع بناء القدرات (CB3) لمواجهة آثار التغيرات المناخية، بوزارة البيئة قائلاً: " خلق الله لنا فلاتر ربانية من النباتات الطبيعية التي تنمو في الأراضي الرطبة والمستنقعات، والملاحات، مثل البوص ونباتات أخرى، تعتبر من الموارد الطبيعية التي تمتص الملوثات، ومنها الكربون يمكن استغلالها بشكل مثالي، فغازات مثل الميثان وغاز أول أكسيد النيتروز وغاز ثاني أكسيد الكربون وغاز أول أكسيدالكربون وخلافه موجودة في الغلاف الجوي، أمر طبيعي لحفظ حرارة الكرة الأرضية، ولولا وجود هذه الغازات بتركيزاتها الطبيعية لانخفضت درجة حرارة الكرة الأرضية شتاءً إلى سالب 30 درجة مئوية، لكن مع زيادة حجم الإنبعاثات الناجمة عن النشاط الصناعي في ستينيات القرن الماضي، وزيادة تركيزات تلك الغازات، تسببت في ظاهرة الاحتباس الحراري اي حبس الحرارة داخل الغلاف الجوي، وهو ما ادى الى تغير المناخ، وبعد ان كانت المحيطات والبحار مستودع لامتصاص الكربون أثرت التغيرات المناخية، بسبب ذوبان الكربون في المياه، مما جعلها بمرور الوقت غير صالحة لحياة الكائنات الحية، فتموت الأسماك، وتضيع الشعاب المرجانية الجاذبة للسياحة على طول ساحل البحر الأحمر، وها هو البديل الرباني امامنا لنستغله انها الأراضي الرطبة التي تتجه اليها انظارالعالم حاليا كحل لتغير المناخ.

استعادة الأهوار تعيد التوازن
وكانت المرة الأولى التي حذر فيها الخبراء من تغيرات خطيرة تطرأ على دورة المياه العالمية، نتيجة الاستهلاك المفرط للمياه وتغيير استخدامات الأراضي في أكتوبر 2010، حينما اجتمعت الدول الأطراف في اتفاقية التنوع البيولوجي خلال مؤتمر ناجويا COP10،. وأكدت التقارير حينها أن الأهوار "الأراضي الرطبة" تتعرض لضغوط تهدد قدرتها على الحفاظ على التنوع البيولوجي، لأنها تعتمد على توفر المياه بشكل مستقر، وفي الوقت ذاته تعمل كمخازن طبيعية للكربون وتدعم استقرار المناخ.
واتفق الخبراء على أن المياه تشكل الرابط الأقوى بين ثلاث أزمات كبرى: فقدان التنوع البيولوجي،وتغير المناخ والتصحر، فالأهوار — كونها مناطق غنية بالأنواع النباتية والحيوانية — تنهار حين يقل الماء أو تتلوث، وعندما تنهار، تفقد الأرض القدرة على مقاومة الجفاف، وتزداد حرارة المناخ، ويستمر تدهور النظام البيئي بوتيرة أسرع. لذلك دعت الأمم المتحدة الدول إلى الاستثمار في استعادة الأراضي الرطبة، لأنها تُعيد التوازن المائي وتحمي الأنواع وتحدّ من ارتفاع حرارة الأرض.
واستجابت بعض الدول لهذه الدعوات، فوجهت تمويلات كبيرة لإحياء الأهوار باعتبارها حلولًا طبيعية فعالة لمواجهة تغير المناخ. إلا أن مصر — رغم امتلاكها أراضي رطبة شديدة الأهمية — لم تُعلن حتى الآن عن برامج واسعة لاستعادتها، بل شهدت بعض هذه النظم تراجعًا وتدهورًا في المساحة والجودة.

حل المعضلة
وهكذا نخلص الى أن هناك رابطًا قويًا بين التنوع البيولوجي في الأراضي الرطبة، وتغير المناخ ، وإذا استمر التدهور البيئي في التنوع البيولوجي بالبحيرات المصرية -باعتبارها جزء من الاراضي الرطبة- بهذه الوتيرة وتغلب الصيد الجائر، واعمال الردم والتجفيف، الزريعة، وصرف المصانع.. الخ، فلن تكون مصر فقط قد خسرت كنوزًا طبيعية لا تعوض، بل ستواجه أزمة بيئية وإنسانية واقتصادية لانها ستخسر فرص استثمار بيئي وفرص تأمين المخزون الغذائي من الأسماك،وانخفاض في الثروات السمكية، تراجع السياحة البيئية، خاصة السياحة المتعلقة بمشاهدة هجرة الطيور، حيث تحط الطيور المهاجرة على البحيرات، ايضا فقدان لأداء الخدمات الطبيعية (تنقية الهواء والماء، تنظيم المناخ، حماية الأراضي).
إن استعادة الأراضي الرطبة يمثل جانباً جديداً من الجوانب المضيئة فيما يتعلق بالحلول المطروحة للتغيرات المناخية، التي تحظى مصر بمساحات كبيرة منها، فطالما كانت مصر كلمة السر في حلول المُعضلات العظيمة على مر العصور، وما ستصبح عليه البشرية غداً، يعتمد على كل الإجراءات التي تجري اليوم. بشأن كل قضية تتعلق من قريب أو بعيد بأكبر قصة إنسانية تهدد البشرية في العصر الحالي، لذلك نضع المعلومات كاملة، أمام المسؤولين عن ملف البحيرات والأهوار في مصر لمراجعة درجة اهتمامهم بها، ونظرتهم للنباتات الربانية الطافية فيها والتي يعتبرونها معيقات حركة فيما يستردها العالم.



