
بعد أكثر من ثلاثين سنة :
هل ترتبك موائد المصريين بعد رفع سعر الخبز المدعم تزامنا مع موجة الغلاء؟
مواطنون يطالبون بتغيير مواصفات الخبز للأفضل مع ارتفاع سعره
موازنة الدولة تتحمل سنويًا 120 مليار جنيه .. ومتوسط الإنتاج 100 مليار رغيف
"المخابز المليونية " تنتج كميات كبيرة وتخفض تكلفة رغيف الخبز
تحقيق / فادى لبيب – ناريمان ينى
العيش ... هو العنصر الأساسي على موائد المصريين، العنصر الذي يبدو من اسمه انه العامل الاهم للعيش، لذلك اي تحريك لسعره يعد مساحة حساسة جداً بالنسبة للمواطن وللحكومة على حد سواء، لذلك اثار قرار د. مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء بتحريك سعر الخبز المدعم من خمسة قروش الى 20 قرشا، بداية من اول يونيو الجاري، ردود افعال متباينة في الشارع المصري، فبعض المواطنين ابدوا استياء، بسبب تزامن رفع سعر الخبز المدعم مع موجة الغلاء، وتخوفاتهم من تحريكه مرات لاحقة، وتاثير ذلك على سعر الخبز السياحي والفينو الذي يلجأ اليه المواطنين من مستحقي الدعم في الطوارىء، كما اثار جدلاً في الاوساط الاقتصادية عن جدوى وفائدة تحريك سعر العيش بالنسبة لموازنة الدولة، واستتبع ذلك تحركات في القانونية والحقوقية في محاولة لاجبار الحكومة للتراجع عن قرارها برفع سعر العيش. للتعرف على ردود الافعال ورد الحكومة كان هذا التحقيق:
يقول المواطن عبد القادر حامد: تم رفع قيمة الرغيف المدعوم لتصل الى عشرين قرشًا، ونحن يمكن ان نقبل ذلك برضا لكن شرط أن يكون الوزن ٩٠جرام حقيقي، فما يصل الى ايادينا رغيف اصغر من كف اليد، فاين التفتش على المخابز، فضلا عن اضطراب منظومة الخبز فالاسرة الواحدة بهاافراد يحصلون على الدعم واخرين محذوفي الاسماء من البطاقات بدون اسباب واضحة.

بينما يقول محمد عز: لا يوجد مشكلة لغلاء رغيف الخبز ولكن في المقابل نطالب بوجود خبز آدمى يمكن أكله، فالخبز الذي نشتريه من المخابز للأسف لايصلح للمواطن إنما يصلح علف للطيور والحيوانات، متسائلا عن وجود الرقابة التى لا وجود لها سوى في تصريحات الوزارة، مطالبا بتغيير مواصفات الخبز للأفضل مع ارتفاع سعره.
قبول السعر الجديد
يختلف عبد الله غراب رئيس الشعبة العامة للمخابز بالاتحاد العام للغرف التجارية مع الاراء السابقة قائلاً: هناك قبول من الشارع المصري وسير العملية الشرائية للخبز المدعم بالسعر الجديد دون مشاكل، وليس هناك تأثير على ارتفاع سعر الخبز لعشرون قرش، بدليل أن سعر الخبز 80 جرام بسعر جنيه ونص، أما الخبز المدعم وهو 90 جرام بعشرون قرش، كما أنه متواجد ومتوفر وهنا يري المواطن الفرق الكبير بين الإثنين مما أحدث رضا لديه.
الاثار الاجتماعية
يقول الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: تضاعف سعر رغيف الخبز 10 مرات منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي وحتى عام 1988، حينما تمت زيادته إلى 5 قروش، واستقر عند هذا المستوى منذ ذلك الحين، لكن زادت الأسعار بشكل غير مباشر من خلال تقليص أوزان رغيف الخبز أو تقليل أعداد المستحقين للدعم" حيث كان وزن رغيف الخبز نحو 135 جراما، وقُلص إلى 90 جراما أو أقل من ذلك في الوقت الحالي.
ويتابع عبد النبي : "ان زيادة أسعار الخبز لن يكون لها تأثير جوهري على خفض عجز الموازنة العامة للدولة، التي تتوقع وزارة المالية أن يسجل خلال العام المالي الذي سيبدأ في الأول من يوليو المقبل، نحو 1.243 تريليون جنيه (26 مليار دولار). فبالمقارنة مع عجز الموازنة الحالية، والعجز المتوقع خلال العام المالي المقبل، فإن تخفيضات دعم الخبز، لن يكون لها تأثير فيما يتعلق بأهداف وزارة المالية بشأن العجز المالي، حتى إذا تم إلغاء دعم الخبز والسلع التموينية بشكل كامل، لن يؤثر ذلك كثيرا".
وحسب بيانات وزارة المالية، يمثل دعم السلع التموينية والخبز نسبة 3.3 % من إجمالي مصروفات موازنة العام المالي المقبل، التي تبلغ نحو 3.870 تريليون جنيه (81 مليار دولار)، وتستهدف وزارة المالية المصرية، تخفيض العجز في موازنة موازنة العام المالي المقبل إلى 6 % كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، من 7 بالمئة متوقعة في موازنة العام المالي الجاري.
ويضيف عبد النبي : الكثير من المصريين قد لا يبالون بزيادة السعر، خصوصا مع إدراكهم بأن 5 قروش لا تمثل أي قيمة فعلية في الاقتصاد، لكن مع ارتفاعات الأسعار المتلاحقة خلال الأشهر الماضية بفعل ارتفاع معدلات التضخم في السوق المصرية، يمثل ذلك عبئا على المواطن ويهدد امانه الاجتماعي.
ايضا دخل عدد من نواب البرلمان المصري على خط أزمة رفع سعر «الرغيف المدعم». وعدّت عضو مجلس النواب (البرلمان)، النائبة سناء السعيد، أن «قرار زيادة سعر رغيف الخبز كارثي». وقالت إنها تقدمت بسؤال برلماني للحكومة عن مدى دراسة القرار قبل تنفيذه ومعرفة تداعياته على الأسر في مختلف الشرائح الاجتماعية المستفيدة من الدعم. وأضافت السعيد أن «هناك إشكاليات اقتصادية كبيرة تواجه موائد الأسر المتوسطة والفقيرة بسبب زيادة إجراءات رفع الدعم»، محذرةً من الآثار المجتمعية لهذه القرارات لكونها «ستؤثر على قدرة المواطن في توفير أبسط السلع التي يمكنه تناولها غير مصحوبة بأي شيء آخر».

دعوى قضائية
على ذات الصعيد قام عدد من المحامين دعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة للمطالبة بوقف تنفيذ وإلغاء القرار الوزاري برفع سعر رغيف الخبز المدعم المنتج بالمخابز البلدية.ويؤكد المحامي عمرو عبد السلام في دعواه أن رغيف الخبز هو رغيف الحياة وأحد كفتي ميزان المعيشة.
ويضيف عمرو عبد السلام أنه وفي ظل الأوضاع الإقتصادية التي تمر بها البلاد على مدار السنوات السابقة والارتفاع الجنوني للأسعار الذي صار ظاهرة يومية وتدهور قيمة الجنيه المصري أمام الدولار وفي ظل غياب تام لدور الحكومة في الرقابة على الأسواق وضبط أسعار السلع الأساسية للمواطن لتحقيق العدالة الاجتماعية، بات البحث عن الاكتفاء الأسريالذاتي من الغذاء صعب المنال عجزت معه الطبقات المحدودة والمعدومة التي تمثل قطاع كبير من تعداد الشعب المصري، عن تدبير احتياجاتهم الأسرية بشكل كاف وعادل وصحي في سابقة لم يمر بها الشعب المصري في عصره الحديث".
ويتابع عبد السلام: "على الرغم من ذلك بدلا من أن تسعى الحكومة لتحقيق ولو نذرا يسيرا من العدالة الاجتماعية لتخفيف الأعباء المالية عن كاهل الطبقات المعدومة والمحدودة الدخل حتى تستطيع البقاء على قيد الحياة، قامت الجهة الإدارية ممثلة في وزارة التموين والتجارة برفع سعر رغيف الخبز البلدي المدعم من خمسة 5 إلى 20 قرشا بنسبة زيادة 300% بالمخالفة الصارخة لأحكام الدستور". ويوضح عمرو في الدعوى أن "قرار رفع سعر رغيف الخبز البلدي المدعم مخالف لأحكام الدستور خاصة "المادة 79" منه والتي تنص على أن لكل مواطن الحق في غذاء صحي وكاف، وماء نظيف، وتلتزم الدولة بتأمين الموارد الغذائية للمواطنين كافة ، وبذلك يكون رفع سعر الخبز انتقص من حقوق المواطنين في حصولهم على غذاء كاف يساعدهم في البقاء على قيد الحياة باعتبار أن رغيف الخبز هو أساس الغذاء".
واختتمت الدعوى طلباتها بالحكم بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ التوجيه الوزاري رقم 18 لسنة 2024 الصادر عن وزير التموين والتجارة الداخلية بتاريخ 30 مايو 2024 فيما تضمنه من تعديل سعر رغيف الخبز البلدي المدعم المنتج بالمخابز البلدية زنة 90 جراما إلى 20 قرشا زنة بالمواصفات المقررة بالتوجيه الوزاري رقم 26 لسنة 2020 للخبز ماو (ملدن) مجر وإلغاء كافة الآثار المترتبة على ذلك وأهمها إعادة تسعير رغيف الخبز البلدي المدعم المنتج بالمخابز البلدية زنة 90 جراما بسعر 5 قروش وبذات المواصفات المقررة مع الاستمرار في تقديم ذات الحصص المقررة 5 أرغفة للفرد المدرج تموينيا وبوزن 90 جراما للرغيف، مع تنفيذ الحكم بمسودته دون إعلان مع إلزام الجهة الإدارية المطعون ضدها بمصروفات الطلب العاجل وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه وإلغاء كافة الآثار المترتبة عليه وإلزام جهة الإدارة
المواطن شريك فى تحمل التكلفة
ردا على ما سبق يقول أحمد كمال المتحدث باسم وزارة التموين: أن منظومة الخبز والطحن والتوزيع والمطاحن والصوامع ثابته كما هى دون تغيير، موضحًا أن الدعم الذي سيتم توفيره من الخبز سيعاد توجيهه إلى مزارعى القمح الذي أرتفع سعره 400 جنيه منذ شهر أبريل الماضي بما يكلف الدولة 9 مليار جنيه، وغيره من الخدمات، منوها أن قرار زيادة سعر الخبز اتخذ منذ عام 2019 ولكن أحداث كورونا ثم حرب روسيا وأوكرانيا وما حدث من أحداث حول المنطقة حالت دون تنفيذ القرار، ولكن تحريك سعر إردب القمح شكل عبء إضافى على الموازنة، وبالتالى عجز في الموازنة وجاء تنفيذ قرار تحريك سعر الخبز لضمان استمرار الخدمة، وتم رفع حركة التأهب في الرقابة على المخابز، موضحًا أنه لم يتم رفع قيمة نقاط الاستبدال نظرًا لأن المُدرج في الموازنة المالية والتي تم اعتمادها هو 10 قروش، والفارق الذي يدفعه المواطن في سعر رغيف الخبز سيُعاد توجيهه لبرامج أخرى للدعم ولكن إذا زادت نقاط الخبز سيأتى هذا على حساب البرامج الأخري التى سيوجه لها الدعم، مشيرًا إلى أنه قد تطرح الزيادة بعد استقرار المنظومة في موازنة 25/ 26 ، وفيما يخص بعض المواطنين الذين كانوا يصرفون 10 كيلو دقيق للفرد بدلاً من الخبز سيحسب لهم بـ 30 جنيه بدلاً من 7 جنيه ونصف، وذلك لان الـ150 رغيف وهى حصة المواطن خلال شهر عندما كان يصرف الرغيف بسعر 5 قروش فكان سعر الدقيق 7 جنيهات ونصف، ولكن مع السعر الجديد للخبز فإنه زاد ليصل لـ 30 جنيه، حيث أن حاصل ضرب 150 في 20 قرش يصبح 30 جنيه، منوهًا أن هذه المنظومة منتشرة أكثر في مستودعات محافظات الصعيد، وأكمل أنه يتم الآن دراسة ملف إصدار كروت لبيع الخبز من المخابز لغير الحاصلين على دعم الخبز ودراسة كيفية إصدار الكارت وأماكن الحصول عليه وتكلفته وتكلفة الرغيف، وذلك بالاتفاق مع الشعبة العامة للمخابز، وسيتم عرضه على رئيس مجلس الوزراء يوليو القادم وسيستفيد منه أكثر من 9 مليون مواطن خارج منظومة الدعم، ومن المرجح أن يكون بسعر 125 قرش للرغيف، مؤكدًا أنه لا تغيير في سعر الخبز السياحى، حيث أن تكلفته محسوبة منذ شهرين على الدقيق استخراج 72 الذى يتراوح سعر الطن به ما بين 15 ونصف إلى 16 ألف جنيه.
تطور فى وزن الرغيف
خالد صبرى المتحدث بأسم الشعبة العامة للمخابز : منذ 33 سنة ورغيف الخبز يُسعر للمواطن بـ 5 قروش ، لكن فى نفس الوقت حدث تطور كبير فى وزنه فكان 160 جرام ثم 130 جرام ثم 110 جرام والآن 90 جرام ، وبالتالى فلا نستطيع تصغير حجم رغيف الخبز أكثر من ذلك، وحينما كان وزنه 160 جرام كان الدعم الذي تقدمه الدولة نحو 40 مليار جنيه في حين أن الآن أصبح الدعم 125 مليار لرغيف خبز بوزن 90 جرام ، لذا فهو عبء كبير على الدولة خاصة فيما تمر به البلاد والعالم من أزمات مختلفة، هذا بالإضافة إلى زيادة الكمية الإنتاجية للخبز، فما كان من الدولة إلا أن تقوم بخفض الكمية الاستهلاكية أو رفع سعر الخبز والمبلغ الذي تم الاتفاق عليه هو لا يعتبر عبء كبير على المواطن في هذه الأيام إذ لم يعد هناك أى شئ يمكن شرائه بعشرون قرش وهو سعر عادل بعيدًا عن أى أقاويل تندد بما يتقاضاه المواطن من راتب أو معاش.
وأكد المتحدث بأسم الشعبة العامة للمخابز أن الوضع الجديد يجعل المواطن أكثر حرصاً على كل رغيف خبز ولا يهدره كعلف للمواشي أو غيره ، خاصاً وأن كمية الخبز لم تعد تكفى احتياجات الأسر كما كان من قبل ، أما ما يخص الخبز السياحى والفينو فإنه تم الاتفاق برئاسة عبدالله غراب رئيس رئيس شعبة المخابز باتحاد الغرف التجارية، على تحديد سعر محدد بوزن مٌعين وتم العمل به بالفعل وما يتبقي هو تفعيل الرقابة من جهة وزارة التموين، منوها أنه عند نشأة منظومة الخبز السياحى كانت تدار بشكل عشوائي لكن الآن وُضع لها ضوابط ولائحة جزاءات، ويرى "متحدث الشعبة" أن الدولة لها رؤية مستقبلية فيما يتعلق بالدعم المُقدم لمنظومة الخبز، بالعمل على إشراك المواطن فى تحمل جزء من تكلفة إنتاج رغيف الخبز استمراراً لتقديم الدعم، خاصة وأن الـ 20 قرش التى يدفعها المواطن أصبحت لا تشترى أى شئ ..
رغيف الخبز .. والحلول البديلة
وقال الدكتور رضا عبد السلام، أستاذ ورئيس قسم الاقتصاد والمالية العامة بكلية الحقوق جامعة المنصورة، ومحافظ الشرقية السابق : لا شك أن رفع سعر رغيف الخبز وتصريحات الحكومة عن الدخول في برنامج أخر لتحرير الكهرباء تحريراً كاملاً يأتى في إطار برنامجنا مع صندوق النقد الدولي الذى بدأ منذ عام 2016 بالتعويم وتحرير سعر صرف الجنيه، وفرض ضريبة القيمة المضافة وخفض الدعم بكل أشكاله على الوقود، ولكن هناك أيضًا أسباب خارجية لا يُمكن انكارها، لكن والتى طالت جميع دول العالم والشعوب، مُشددًا على أهمية عودة قيمة الجنيه المصري الذي كان في وقت من الزمن من أهم العملات العالمية ، ولكن السياسات التى تم تبنيها والتوجهات الاقتصادية وتحرير وتعويم سعر الصرف فرضت على المواطنين ضغوطاً كثيرة .
وشدد الدكتور "عبد السلام" على ضرورة البحث عن بدائل فى مشكلة رغيف الخبز بعيدًا عن المواطن المطحون الذي دائما هو الحل لجميع المشاكل، خاصة وأن رفع الأسعار سيؤدى إلى رفع التضخم وهذه سياسة تسير عكس ما يسعى إليه البنك المركزى وهو تخفيض معدل التضخم، مشداً على أهمية تقديم البدائل عوضًا عن "جيوب المواطنين" على سبيل المثال تقديم الدعم الحقيقي للفلاح، وعودة برنامج التسمين، وعودة البنك الزراعى للدعم وللتنمية الزراعية عوضا عن كونه بنك تجارى، فهو لا يضيف شيء للفلاح، موضحًا أن الخبز سلعة أساسية، وإن كان البعض " يُدخن السجائر" لكن ليس جميع المصريين يدخنون، ولكن كل المصريين لا يستغنون عن الخبز، فالحكومة أخذت البديل السهل دون البحث عن بدائل أخرى، وإذا كان دعم الخبز يكلف الموازنة 125 مليار جنيه فهذا يعتبر مبلغ قليل في موازنة تقدر بـ 6.5 ترليون جنيه ، فلابد من تعزيز فرص الانتاج المحلي .
نعطى الدعم لمن ؟
من جانبه يرى الدكتور مصطفى بدره الخبير الاقتصادى أن تعديل منظومة الخبز والدعم بتحويل الدعم العينى إلى دعم نقدى داخل المنظومة ككل سيستغرق وقتاً ليس بالقليل يتخطى شهوراً وقد يصل لأكثر من سنة، وأكد الدكتور "بدره" قائلاً : إن تسجيل منظومة الدعم بالكامل لا تتم إلا فى الموازنة المالية العامة الجديدة وليس الموازنة الحالية، لأنه يجب أن ندرس من هم المستحقين لعملية الدعم في الخبز فقط لاغير أولاً ، وهم 63 - 64 مليون مواطن، ثم نقوم بعد ذلك بعملية "التنقيح" أى تصنيفاً لمن هم مستحقي الدعم، ثم نتجه بعد ذلك لعملية صرف الدعم النقدى ، مُتسائلاً : فمثلاً، هل ندعم من هم مرتبهم 3 آلاف جنيه أم الذين يتقاضون 5 آلاف أم من يتقاضون 6 آلاف - وهى الحد الأدنى للأجور - وهناك أرباب المعاشات الذين تتوسط معاشاتهم هذه الأرقام ، لذلك فعملية "تنقيح بيانات المواطنين" ليست بالسهلة ، خاصة مع تغيير قيم الدخل مستبقلاً، ولذلك فهناك عوامل كثيرة لنحدد من خلالها من هم الأولة بالدعم
الحل فى المخابز المليونية
من جانبه يقول المحاسب هشام كامل مدير مديرية التموين والتجارة الداخلية بالجيزة سابقاً: إن المنظومة الحالية تعمل على تقديم رغيف خبز للمواطن بخمسة قروش، ثم بدء بيعه بسعر20 قرشاً مع تحمل الدولة فارق التكلفة، والأفضل هو إستكمال المشروع الذى بدأته الدولة فى السابق وهو "المخابز المليونية أو مصانع الخبز" التى تنتج كميات كبيرة وتعمل على تخفيض تكلفة الرغيف، وأضاف : نحن نطحن 30 ألف طن دقيق يومياً، وحتى يتم خبزهم يتم تفتيت الكميات وتوزيعها على كم كبير من المخابز ، ونحن فى شدة الاحتياج للسولار والبنزين .
ويتابع "كامل" : إن الاستمرار بهذه المنظومة سيكلف الدولة كثيراً خاصة مع زيادة الأسعار، مما يترتب عليه العمل على التعويض المالى لكافة حلقات إنتاج رغيف الحبز مع كل زيادة فى مدخلات الإنتاج، مؤكداً أن إدارة منظومة الخبز تحتاج للمزيد من ترشيد النفقات بعيداً عن عملية بيعه للمواطن . وتسائل : لماذا لم يتم التطرق لمسألة تقديم حافزاً مجزياً للأسرة التى ترشد استهلاكها من الكمية المخصصة لها ، فالأسرة المكونة من 4 أفراد لها بالبطاقة 600 رغيف شهرياً فإذا استخدمت 300 رغيف فقط ووفرت 300 أخرين ، فلماذا لا يتم دعم الأسرة بـ 300 جنيه بدلاً من 30 جنيه، وهذا يصب فى عملية الدعم النقدى المشروط . وأضاف : يجب تحفيز المواطن على الترشيد بدعمه بشكل مباشر حتى نقلل من عمليات إستيراد القمح بالعُملة الصعبة .
ويرى كامل أنه يجب استكمال منظومة المخابز المليونية على أن يكون من مسئولية المحافظين، كما يُمكن دخول أصحاب المخابز وتكوين اتحاد مُلاك كشركاء مع الحكومة فى الإنشاء والتشغيل هذه المخابز، وهذا الأمر يُسهل على مديرية التموين بالمحافظة إحكام عملية الرقابة عليها وكذلك على المطاحن من خلال الكاميرات والوسائل التكنولوجية، مؤكداً أن هناك العديد من المخابز المليونية بالمحافظة لكن لم يتم الإهتمام بها إدارياً والعمل على تطويرها ، بعيداً عن عملية إهدار الموارد والخامات من (قمج ودقيق وسولار والغاز) بصورة مستمرة .
الموارد الذاتية للدولة
ويوضح المستشار محمد الحمصانى المتحدث الرسمى باسم رئاسة مجلس الوزراء أنه تم وضع خطة لترشيد الدعم في عدد من القطاعات الأساسية بهدف استمرار وتحسين أداء الخدمة، منوهًا أن ترشيد الدعم يأتى لتوفير قدر من تكلفة تقديم الخدمات المقدمة للمواطنين، مشيرًا إلى أن المعايير التى تم وضعها ظلمت بعض الأسر عند تنقية البطاقات التموينية وهذا ما سيتم تلافيه خلال عملية تحديد من يستحق الدعم الفترة القادمة، مشددًا على أنه سيتم دعم الفئات الاجتماعية إذا دعت الحاجة لتقديم مزيد من الدعم، منوهاً احتياجات الدولة تفوق بشكل كبير جدًا الموارد الحالية.
وشدد المستشار "الحمصانى" على أن الحل يأتى من خلال الاعتماد على الموارد الذاتية للدولة وتنميتها، أما صفقات الاستثمار المباشرة في مصر كصفقة رأس الحكمة فهى تساعد الدولة على مواجهة التحديات الراهنة ولكن هناك حاجة للإصلاح ولا يحدث هذا إلا من خلال حدوث طفرة في الصادرات والصناعة والزراعة وتكنولوجيا المعلومات والسياحة الواردة .. ولا يُمكن الاعتماد على الصفقات مهما كان حجمها ضخم ويتم استخدامها بطريقة رشيدة بحيث نستطيع تلبية احتياجات المواطن بصورة تعكس قدر من الرشادة وإدراكاً للتحديات المختلفة، موضحًا أنه تم استخدام 8 مليار دولار في بند واحد فقط وهو الإفراج عن السلع الأساسية من الجمارك .
رد الحكومة: البعض يبيعه علفا
من جانبه، يقول الدكتور على المصيلحى وزير التموين باننا نستهلك حوالي 8.5 مليون طن قمح سنويًا، حصلنا على 3.4 مليون طن والباقي تم استيراده، مضيفًا أنه بالنسبة للعام الجاري - حتى الآن- لم ينته موسم القمح وقد تم تحديد سعر الأردب للفلاح للعام الجاري بمبلغ 2000 جنيه كتوجه من الحكومة لدعم الفلاح، وقال "المصيلحى" : إن إنتاج رغيف الخبز الواحد كان يتكلف 115 قرشًا، وبحساب تكلفة هذا العام بناء على الأسعار التي تم شراء القمح بها، وبالنظر إلى أنه يتراوح متوسط سعر القمح في البورصة العالمية ما بين 270 و 277 دولار تقريبًا، وإذا تم تحويل السعر بالعملة المحلية سيكون ما بين 13300 أو 13400 جنيه مصري، أي أن أسعار القمح العالمية الآن تتوافق مع السعر المحلي إذا قلنا أنه عند مستويات سعرية تبلغ 13333 جنيها، وإذا احتسبنا تكلفة الرغيف، وفقًا لذلك سنجد أنها 125 قرشًا للرغيف للعام القادم.
وأضاف: بين الممارسات السلبية حصول بعض المواطنين على كميات خبز أكبر من استهلاكهم الحقيقي اليومي، وذلك بالنظر لسعره المنخفض، وقيامهم بتجفيفه وبيعه كعلف، أو الحصول علي الكسر من المخابز بأسعار أغلي بكثير، مؤكداً أن مثل هذه الممارسات السلبية تسهم في زيادة استهلاك الخبز وحجم المنتج منه، وهو ما يتبعه نزيف في الموازنة العامة للدولة، وتأثير سلبي على الناتج الاقتصادي الكلي.
ملف شائك
وكان الدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء قد صرح - نهاية مايو الماضى - أن حكومته تعي تمامًا أن ملف الدعم دائمًا هو ملف شائك، كما تعي أنه يلقي عدم قبول، وقال: " يجب علينا جميعًا في إطار إجراءات الاصلاح الاقتصادي للدولة أن نعرض الموضوع بمنتهى الشفافية والوضوح، ففي إطار قدرات الدولة المصرية تمكّننا على مدار العاميين الماضيين من تحمل أقصى قدر ممكن، ولكن ينبغي ببساطة شديدة وبهدوء وتدرج؛ التحرك في بعض السلع والخدمات لنكون قادرين على استدامة تقديم الدعم والخدمات بأفضل صورة مُمكنة للمواطن المصري.

وأشار الدكتور "مدبولى" إلى أنه لم يتم تحريك سعر الخبز المُدعم منذ أكثر من ثلاثين سنة، وعلى مدار هذه الفترة تضاعف سعر الخبز على الدولة عشرات المرات تقريبًا، وبالتالي حمّل الدولة أعباء مالية مُتزايدة اذ تصل تكلفة رغيف الخبز الى 125 قرشا، ويتم بيعه بـ 5 قروش، وبالتالي فالدولة تتحمل 120 قرشًا على كل رغيف، اي 120 مليار جنيه لإنتاج 100 مليار رغيف سنوياً؛..ولفت رئيس مجلس الوزراء إلى أن الدولة لا تزال تدعم كل رغيف خبز بـ 105 قروش، وهو ما يعني أن الدولة ستتحمل 105 مليارات جنيه سنويًا، مشيراً إلى أن كل ما تقوم به الحكومة في هذا الشأن هو الترشيد قليلاً من حجم الدعم المُلقى على عاتق الخزانة العامة للدولة؛ من أجل ضمان استدامة تقديم الخدمة والدعم، مؤكداً أن الدولة ستظل مُنحازة للفئات المستحقة للدعم، وأن الدعم سيظل قائمًا، مشيرًا إلى أن الحكومة لديها تصور لبدء التحرك في بعض السلع والخدمات، وبدأنا في هذا الصدد بالخبز المُدعم.. الجدير بالذكر ان حديث الرئيس عبد الفتاح السيسى حول تكلفة إنتاج رغيف الخبز – فى مايو الماضى – كان البداية الحقيقية لفتح ملف إعادة تسعير "الرغيف"، إذ أوضح خلال كلمته أثناء افتتاح مشروعات تنموية جديدة بجنوب الوادي، قائلاً : " إن الرغيف أبو شلن بيتكلف جنيه وربع .. بعد ما كانت ميزانية الدولة تتكلف دعماً للرغيف يصل لما بين 20 إلى 30 مليار جنيه، أصبح الآن يتكلف من 120 لـ 130 مليار جنيه، والرغيف أبو 5 صاغ ثمنه جنيه وربع بيكلفنى 130 مليار جنيه " .




اترك تعليقاً